أفكار ومواقف

قمة غلاسكو: اسمع تفرح وجرب تحزن

تهاني روحي

وعود كثيرة ومفرحة في قمة غلاسكو للمناخ. مما جعل ناشطي البيئة يتندرون في تغريدات كثيرة “اسمع تفرح وجرب تحزن”، للفت الانتباه من تخوفهم بأن طغيان المصالح الاقتصادية الآنية لدى بعض الدول والتكتلات، أن تتغلب على المصلحة العالمية والإنسانية المشتركة في وقف التدهور البيئي وهو مصدر قلق مشروع، اذا ما ترك المؤتمر بدون إقرار برامج واستراتيجيات ملزمة لمكافحة الخطر الداهم الذي يتهدد العالم من ظواهر ناجمة عن تغير المناخ.

وكان رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون في ختام قمة مجموعة العشرين قد حذر أنّه «في حال فشل المؤتمر فإنّ كلّ شيء سيفشل. وبعد أن استعادت الكرة الأرضية أثناء الجائحة أنفاسها لبرهة قصيرة، أنبئت عن الحاجة إلى اتباع نهج جديد يرتكز على مبادئ العدالة والأبعاد الأخلاقية لمواجهة الآثار المدمرة للتغير المناخي.

ومع ذلك فإن البحث عن حلول للتغير المناخي لا يزال يكشف عن محدودية طرق التعامل التقليدية معها، ولا بد من اتخاذ الخطوة التالية في عملية الانتقال من حالة تَعَامُل على الساحة العالمية تكون فيها الدولة هي النواة المركزية إلى أخرى تتأصل جذورها في الوحدة التي تربطنا كساكني ومواطني عالم واحد.

واللافت في قمة غلاسكو، بأن هناك تحولا في الخطاب السياسي للزعماء، ورأينا القادة يضعون المناخ في أولوية الاهتمامات في دولهم، ولعل المؤتمر كان فرصة لإثبات حسن النوايا فيما سيتم عمله للبيئة عالميا.

تحذيرات وتصريحات مخيفة تدعونا للتفكر بما سيؤول اليه كوكبنا في السنوات القادمة، عندها سيتضح أمامنا أنه إن لم يسن تشريع مبدع وخلاّق وبأسس جديدة بعيدة عن الأنانية والنظرة الفردية والفوقية للدول الغنية، لن تنجح هذه القمم في وضع تصور لحجم أبعادها على مستقبل البشرية بأكملها.

فالمقياس لنجاح المؤتمر والإيفاء بالوعودات، هو مدى جدية الالتزام بمبدأ وحدة الجنس البشري ليصبح هو المبدأ الحاكم في الحياة على مستوى العالم. لانه سيجعلنا ننظر لتحدي التغير المناخي عبر منظار آخر – منظار يتصور البشرية ككل موحد.

وهو اكثر من مجرد دعوة للتعاون؛ وإنما يسعى لإعادة صياغة وتشكيل أنماط من التفاعل البشري عفا عليها الزمن واتسمت بكونها غير عادلة، وستتطلب الاستجابة للتغير المناخي تغيرات عميقة على مستوى الفرد والمجتمع ودول العالم.

خطوات بسيطة يمكن البدء باتباعها ونحتاح للتوعية المجتمعية بشأنها، مثلا علينا ألا نقلّل من أهمية التوجه نحو استعمال المركبات صديقة البيئة، إذا ما عرفنا أن استهلاك النقل نحو خُمس انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية.

وكذلك احساسنا بأننا جزء من المبادرات العالمية، وضرورة توطيد العمل المشترك على المستوى العالمي، النابع من قناعة مفادها أن الأخطار المتأتية من التغير المناخي لا تشمل دولة دون أخرى.

لقد قيل الكثير عن ضرورة التعاون من أجل حل التحدي المناخي، وطرأت في أذهان الدول أيضا أسئلة صعبة ومتشابكة ولها علاقة وطيدة بالعدالة والإنصاف والمسؤولية والالتزام.

وبينما تتصارع المجتمعات المحلية وصانعو السياسات مع هذه الأسئلة تتضح الحاجة إلى اتباع نهج جديد يركز على مبادئ العدالة والإنصاف لمواجهة الآثار المدمرة للتغير المناخي، التي تفاقمت بسبب التطرف في الغنى والفقر.

فالدول الفقيرة تحتاج لتمويل للتصدي والتعويض عما أصابها من أضرار، وتستطيع الدول المتقدمة مساعدتها للوصول إلى المدن الصديقة للبيئة والمدن الخضراء. إذا ما عرفنا أن كميات التلوث لديها أقل من الدول الكبيرة كالهند والصين والولايات المتحدة وغيرها.

فالتحدي اليوم الذي يواجه قادة العالم في مؤتمر المناخ هو التحول في الأفكار والسلوكيات الذي يؤدي بهيكلنا الاقتصادي والاجتماعي لتوسيع نطاق فوائد التطور على الناس كافة.

لم نعد نحتمل قرارات وتوصيات هلامية ختامية وكلمات نظرية غير تطبيقية؛ فنحن الآن أمام مشكلة هائلة ومربكة جراء بعض التصريحات بأن مدنا ستغرق.

ولم نعد نحتمل التأخير والتأجيل، فالطموحات والتوقعات كبيرة بسبب عدم إيفاء العالم بتعهداته في القمم الماضية، وهي كان من المفترض أن تنفذ منذ سنوات عديدة لأنها المنصة الدولية الوحيدة للتغيير.

المقال السابق للكاتبة

المساءلة الطبية بين حق المريض وخوف الطبيب

للمزيد من مقالات الكاتبة انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock