ترجمات

قوة فرنسا تكمن في انفتاحها

سيلفي غولار* – (ليبراسيون) 2/5/2012

ترجمة: مدني قصري

هناك أمرٌ لا بد لنا من قوله وتكراره: أن قوة فرنسا تكمن في انفتاحها: انفتاحها على الإنسانية عندما أعلن فلاسفة عصر التنوير عن القيم الشمولية، وانفتاحها على أوروبا عندما صمّم الآباء المؤسسون المجتمع الأوروبي، وانفتاحها على أولئك الذين يصنعون ثراء العالم وجماله.
أجل، إن قوة فرنسا تكمن في انفتاحها. والذين يدّعون عكس ذلك لا يفقهون التاريخ، -أو لا عناية لهم به. إنهم ينسون دروس الماضي الرهيبة: أن من يفرط في السيادة الوطنية يزرع الانقسام ويحصد عاصفة من فولاذ. وكان فرنسوا ميتران قد قال في البرلمان الأوروبي: “إن القومية هي الحرب!”. ولا شك أنه ليس من قبيل الصدفة أنّ المستشار كول كان في شبابه يقتلع الأعمدة الحدودية بين فرنسا وبين “بالاتينات”. لقد كان جيلُ هذين الرجلين يعي ما يقول. ففي العام 1990 تشاجر الرجلان حول الحدود، حول “خط أودر نيس” الشهير، لكنهما تشاجرا لكي يُذيبا هذه الحدود في فضاء الحرية الأوروبية.
إن قوة فرنسا تكمن أيضا في انفتاحها الاقتصادي. ومع أنه قليل جدا في تقاليدها، إلا أنها استفادت منه كثيرا. وكما كتب في العام 1918 عالم الاقتصاد الإيطالي لويجي إينودي: “يجب أن نُدمر ونُبعد إلى الأبد عقيدة السيادة الكاملة. إن الحقيقة هي العلاقات التي تربط بيننا… والحقيقة هي الحاجة المتبادلة بين الشعوب الحرة، وليس استقلالها المطلق”. إن السعى إلى تصويب الأمور من خلال إذلال المهزومين هو الذي جعل القوميين الفرنسيين في العشرينات من القرن الماضي يمهّدون الطريق أمام الحرب العالمية الثانية. وبفضل السوق المشتركة، استطاعت بلدان السوق الأوروبية المشتركة أن تنهض معا. وقد أقامت ازدهارها على أسس التجارة الحرة. فهل كانت تلك رؤية نخبوية؟ لا. فعمّال الحدود وسائقو الشاحنات الذين يعبرون الحدود كل يوم ليسوا هم أصحاب الامتياز أوالمحظوظين!
إن الدول، بما تملكه من احترام، ليست أُمما مقدسة بالضرورة. إنها تمثل شكلا من أشكال التنظيم السياسي الحديث –عمرها بضعة قرون في أكثر الحالات، وهي أشكال عارضة ونسبية بالنظر إلى تطور العالم. وعلى الرغم من مزاعم أولئك الذين يقودونها، فإن بعض حقول العمل السياسي تخرج عن نطاق سيطرتهم. فهل هي رؤية نخبوية؟ كلا. ويستطيع كل واحد أن يفهم هذه الحقيقة: في عصر محاربة تلوث المناخ، وفي عصر الانترنت، لم تعد هناك أبراج مراقبة، ولا خفر يراقبون ما يجري بألوانهم الثلاثة.
بعد أوهام التنظيم الذاتي للسوق، يجب علينا أن نحارب تنظيم الدول الذاتي السخيف. هل هذه رؤية نخبوية؟ كلا. ففي سورية، نجد أن الشعب هو الذي يدفع الثمن الأعلى. ومن خلال دفاعنا عن السيادة الوطنية المطلقة صرنا نرخَص لبشار الأسد أن يذبح شعبه، ونسمح للطغاة الآخرين الراسخين من وراء حدودهم بأن يُعدموا النساء والشباب، شنقًا، في تحد لحقوق الإنسان الشاملة.
وماذا عسانا نقول عن المليار من البشر الذين يموتون في هذه اللحظة جوعا أو مرضا؟ كفانا ذرف دموع التماسيح!: إن هؤلاء جميعا هم ضحايا العجز الدولي الذي يدعمه حُبنا للفيتو الذي نعشقه بلا حدود.
بعد أن تتم إعادة أعلام المهرجانات الانتخابية إلى أدراجها، وبعد أن ينتهي إطلاق الانفعالات الانتخابية المكبوتة، سيكون الوقت قد حان للانكباب على الأمور الجادة: إبراز وتفعيل ما أسماه هابرماس، الفيلسوف الألماني بـ “سياسة العالم الداخلية”، وإرساء قواعد تنظيم سياسي أقل انغلاقا، وأكثر ديمقراطية، وأكثر عدلا. والعمل عظيم وشاق، لكنه عمل ضروري. هل هذه رؤية طوباوية ؟ ليس ذلك أكثر طوباوية مما قيل في العام 1789 من أن “الناس يولدون ويظلون متساوين في الحقوق”. وليس ذلك أكثر طوباوية من اليد التي مددناها في العام 1950 إلى الألمان. ففي هذا المسعى يضطلع الاتحاد الأوروبي بتجربة عظيمة يتعين عليه أن يفعلها، ولفرنسا فرصة لأن تكتشف ثانية ذلك الذي صنع عظمتها، أي قدرتها على أن تتفوّق على نفسها.
في “النظام القديم والثورة” وصف أليكسيس دي توكفيل تأثير الثورة الفرنسية الحاسم على العالم قائلا: “إننا نتحدث عن التأثير الذي مارسته أفكار فرنسا، لكننا مخطئون. فبحكم طابعها الفرنسي لم تحصل هذه الأفكار إلا على سلطة محدودة. إن هذه الأفكار لم يستسغها الآخرون إلا من حيث طابعها العام، أو بالأحرى من حيث بُعدها الإنساني وحده!”.
*نائب في البرلمان الأوروبي.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: La force de la France, c’est son ouverture

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock