أفكار ومواقف

قيم التواصل الاجتماعي كأساس للأعمال الجديدة

يشكل التواصل الاجتماعي أساس الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية للأمم، فالأسواق والمؤسسات والمنظمات الاجتماعية والسياسية والانتخابات والعمليات الثقافية والتجارية والشركات والبيع والشراء والتمويل وكل مفردات ومكونات الحياة صغيرها وكبيرها تعمل وتنجح أو تفشل حسب فاعلية التواصل الاجتماعي بين الأفراد بعضهم بعضا، ومع وبين المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والتنظيمية، الأسر، والجمعيات والنوادي والنقابات والوزارات والإعلام والنواب، كما الأسواق والشركات،.. وباختصار يجب أن يكون في مقدور المواطنين بناء تواصل اجتماعي فاعل بهدف تحسين حياتهم وأعمالهم وعلاقاتهم والتقدم نحو أهدافهم، ويقاس مستوى وفاعلية التواصل الاجتماعي بالثقة، ثقة الأفراد بعضهم ببعض، والثقة بين المؤسسات والأفراد، فارتفاع مستوى الثقة يساعد على تسهيل وتطوير بناء الشركات والجمعيات والمنظمات، ويقلل كثيرا من الأعباء القانونية والمالية على الأفراد والمؤسسات.
يقول فرنسيس فوكوياما في كتابه “الثقة: الفضائل الاجتماعية ودورها في خلق الرخاء الاقتصادي” هناك ثلاث سبل عامة تؤدي إلى التواصل الاجتماعي، العائلة والقرابة، والجمعيات الطوعية خارج صلات القرابة مثل المدارس والأندية والنقابات، والدولة. وهناك أيضا ثلاثة أشكال من التنظيمات الاقتصادية متصلة بتلك السبل: المؤسسات التجارية العائلية، والشركات المحترفة، ومشروعات الدولة.
يتكون التفاهم الإنساني بالقدرة على استماع الناس لبعضهم بعضا، وفي ذلك ينشأ الحوار والتضامن والتعاون والفهم المتبادل، فلا يقدر الناس على العيش معا إذا لم يفهموا بعضهم بعضا، كما أن الأفكار الصحيحة عن الآخر تتشكل بالاستماع العميق إليه، وفي المقابل ينشأ سوء الفهم والخوف المتبادل في حالة عدم معرفة الناس لبعضهم بعضا، وبطبيعة الحال عدم استماعهم لبعضهم بعضا، وفي ظل الفردية الصاعدة تزيد عزلة الناس عن بعضهم وشعورهم بالوحدة، لكن في مقدورهم باستخدام قيم ومهارات الاستماع أن ينشئوا مع فردانيتهم حالة من التواصل الاجتماعي، كما يواصلون التعلم الذاتي والتعليم المستمر. وفي ظل التحولات الكبرى الجارية اليوم في المعرفة وما يتبعها أيضا من تحولات اقتصادية واجتماعية يمكن أن يفقد الإنسان كثيرا من مهاراته ومعارفة إذا لم يكن قادرا على الإصغاء العميق لكل ما يجري حوله.
بالطبع فإن مفاهيم ومهارات وقيما من قبيل الاصغاء والاستماع وفهم الذات وفهم الآخر ليست جديدة، لكنها اليوم تأخذ طابعا ثقافيا وعاما لأجل التأهيل الجماعي الواسع للمشاركة في مرحلة المعرفة الجديدة وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، وإضافة إلى الشعور بالوحدة والعزلة وفقدان المعرفة والمهارات فإن الإنسان أيضا مهدد في هذه المرحلة بتحولاتها العميقة بفقدان المعنى والجدوى، حيث تتغير الأعمال والوظائف والتخصصات، وتنشأ احتياجات معرفية ومهنية كثيرة جدا نحتاج الى التقاطها ومواكبتها حتى نظل قادرين على المشاركة في العالم؛ نأخذ منه ونعطيه، ونتقبله ويتقبلنا.
نحتاج إلى إعادة تشكيل وتعليم متواصل ودؤوب، وعملية استماع وإصغاء طويلة وعميقة تعلمنا من جديد كل شيء وتجدد أو تلغي أو تغير ما تراكم لدينا من خبرات وعلوم وثقافة وقصص ومواقف وأفكار وممارسات وعادات، نحتاج إلى إصغاء يلتقط المعارف والأفكار الجديدة والملائمة، لأننا مقدمون على حياة ستكون بكل مفرداتها منقطعة عن الماضي، لا المدارس والجامعات ستكون هي نفسها، وسيكون الفرق بينها وبين القائمة اليوم مثل الفرق بين هذه وبين الكتاتيب، ولا المهن والأعمال، فسيكون الفرق بين الأطباء غدا وأطباء اليوم مثل الفرق بين هؤلاء وبين الكهنة والحجامين والعطارين الذين كانوا يعالجون الناس ويداوونهم.
يقول الفيلسوف الألماني بولنوف إن الشرط الأول للحوار هو القدرة على الإصغاء إلى الآخر، والإصغاء يعني أكثر من التقاط الإشارات الصوتية، كذلك أكثر من فهم ما يقوله الآخر، إنه يعنى أن أدرك أن الآخر يود أن يقول لي شيئا مهما بالنسبة إلي، شيئا علي أن أفكر فيه وقد يرغمني، إذا دعت الضرورة، على تغيير رأيي.” وأما الشرط المسبق الآخر فهو الثقة بالآخر، وتعني أن يكون المرء مستعداً للتصريح برأيه ولا يخشى الأذى، يقول الفيلسوف الصيني “لاوتسه”: “إذا لم تثق بما فيه الكفاية، فلا أحد سيثق بك.” ولا شيء كالحوار يخلق أساساً للثقة يترسّخ على نحو متقدم.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock