أفكار ومواقف

كأن الفشل أقدر على البقاء والتكيف

 


يمتلئ التاريخ الاجتماعي بقدرة الفشل والتخلف على استخدام التقنيات والتقدم العلمي لتكريس التخلف والاستبداد ومقاومة الإصلاح، وهو ما يبدو عكس المفترض، ففي الانطباع السائد أن الإصلاح أقدر على ملاحظة أسباب التقدم، وهذا صحيح أيضا، ولكن قدرة التخلف على استخدام التقنية لا تقل كفاءة إن لم تزد عن قوى الإصلاح والتقدم، وما نراه في السياسة والاقتصاد والإعلام في حياتنا ودولنا ومجتمعاتنا من قدرة “التدنصر” على التكيف والمقاومة، بل وفي إنتاج عبقرية الفشل والإفشال، وتطوير المعلوماتية والتقدم العلمي لتكريس التخلف وتطويره، أليس يدعو إلى الرعب أن الأكثر حضورا وفاعلية اليوم في ميادين الإنترنت والفضائيات هم الأكثر تخلفا؟ إنك لا تكاد ترى في مئات الفضائيات العربية المتاحة سوى التسلية والملل!


وعند النظر في عالم الاتصالات القائم اليوم وما نحسبه تقدما تجتاحك موجة من الإحباط والرعب، التقدم التقني والعلمي الذي ينتج التخلف، أو إعادة الاستبداد والتخلف في حالة أنيقة متقدمة تكاد تكون عصية على المقاومة، كأن التخلف والاستبداد كائن عبقري، أو مثل الصراصير القادرة على العيش حتى لو حدثت كارثة نووية!


لماذا لم تنشئ المعلوماتية بعد (هذه الـ”بعد” محاولة للمواساة، وبحث يائس عن فسحة للأمل) ثقافة جديدة على قدر من التسامح والنسبية والاستيعاب تتفق مع حالة تشكلت واقعيا أننا عالم واحد، أو كما يقول الإعلان الجميل المؤثر لإحدى شركات الاتصالات العربية، نعيش في فضاء واحد، وعلى أرض واحدة، ونتنفس هواء واحدا، وتطل علينا شمس واحدة، فليكن تواصلنا (والدعوة هذه لشركة الاتصالات) كما لو أننا في بلد واحد.


وفي الإمكانات الكبرى التي أتاحتها “المعلوماتية” لتقدم التعليم لم تستطع بعد جامعة عربية أن تكون من بين الجامعات الأكثر أهمية وتقدما، لم تغير الإنترنت وفرص التعليم عن بعد والمعرفة الهائلة المتدفقة والمتاحة إيجابيا في التعليم، بقيت الجامعات والمدارس كما هي أشبه بكتاتيب بائسة محدودة تصر على التلقين والأمالي، ولكن وفق تقنية متقدمة.


قبل أيام نشرت الصحف الأردنية أن مدرسة إسلامية ستنشئ مسبحا أولمبيا، هذه المدرسة لم تعلم طلابها شيئا من مهارات الكمبيوتر، وبالطبع لم تحاول أن تعلمهم الرسم والموسيقى وسائر الفنون، ولا الرياضة التي يتعلمها الطلاب في مدارس القرى المعزولة في الصحراء والغابات والمجاهل، وبالطبع فإنها لن تعلم التلاميذ السباحة، ولكنها ستفسح (تجاريا) المجال للناس أن يسبحوا على الطريقة الإسلامية، كيف تحول الإقبال على التدين إلى استثمارات واسعة، مسابح وأندية رياضية، ورحلات للحج والعمرة، وصالات للأعراس، وأسواق للحجاب، وشركات للإنتاج الصوتي والتلفزيوني، وصحافة وإعلام، كل ذلك على الطريقة الإسلامية، ما معنى إسلامية؟ والكثير من ذلك على أية حال ينطوي على إيجابيات، ولكن لماذا لم ينشئ هذا الإقبال العظيم على الدين سلوكا ثقافيا واجتماعيا أكثر رقيا وتسامحا وملاءمة للمدن المزدحمة المرهقة؟ أو روايات وفنونا ومسارح وكتبا ومجلات للعلم والثقافة ومشروعات وبرامج للتنمية والعمل ومكافحة التلوث والتصحر وزيادة الإنتاج والفاعلية؟ لماذا نجح المستثمرون وفشل الإصلاحيون والتنمويون في التعامل مع الدين؟


يشمل الفقر أكثر من نصف السكان، ويزحف التصحر على ما تبقى من الأرض، وتتراجع حصة الغابات في جباله لتقترب من الصفر، ولا ننتج أكثر من عشر احتياجاتنا الغذائية، وتعجز المدارس عن استيعاب الأطفال، وتتلاشى الحدائق والمكتبات العامة، ويكاد النشر الثقافي والفكري يكون مثل عمليات التهريب والبيع على الإشارات الضوئية، والمجلات والكتب العلمية والثقافية التي تتاح بأسعار رمزية تواجه العزوف والتجاهل.


وفي المقابل يكاد يكون لدى كل أردني جهاز موبايل، وتدفقت مئات الملايين من القرى والمخيمات للاستثمار في توظيف الأموال وشراء العملات والأسهم، وتحولت الإنترنت في القرى إلى بورصات عالمية، ولكن أحدا لم يسمع في هذه البلدات عن مصانع واستثمارات في الزراعة والغذاء والتقنية واللباس والدواء والصحة والتعليم والمياه والطاقة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock