يمكنني أن أخدعكم.. لن أحتاج سوى إلى صورة ألتقطها ذاتيّاً لوجه يجعله الفلتر أنقى، أبدو فيها مبتسماً مكتمل المزاج، وقد يكون البحر الهادئ نسبياً خلفي، وقد تمرّ امرأة قمحيّة مصادفة بجانبي، فتبدو كأنّها صديقة طيّبة تعمّدتُ أن أغافلها بلقطة للمداعبة الغليظة. أسناني مكتملة وشبه بيضاء، ولا أحتاج سوى إلى قدرة مضاعفة على الضحك لأبدو سعيداً، ومليئاً بالحياة، ولديّ ما لا يمكن حسابه بالواط من الطاقة الإيجابية.
أنا في البيت المحدود المساحة، الذي لا يكفي لخطوتين رياضيّتين، لكنّي أستطيع أن أستغفلكم بأنّي أجلسُ في تراس المطعم اليابانيّ برفقة وفد كوريّ جنوبيٍّ، باللّمس الحسّاس على الأجهزة اللوحيّة، وحيل تعلّمتها من امرأة وحيدة، شديدة الدهاء، لأبدو أنّي كثير الحركة، فقد أتغدّى في القاهرة وأتعشّى في البصرة، وأتناول الموالح في الطائرة إلى سوسة، رغم أنّ لديّ تقارير طبيّة تحذّر من أنّ عظامي هشّة، ويمكن أن تكسرها شدة السعال.
ضجيج حولي، ليس لأنّي أرفع التلفزيون حتى ثلاثين درجة حين يبثّ الإعادة العاشرة بعد المائة لفوازير شريهان، أو لأنّي لا أستمع إلى أغنية “زيّ الهوى” إلاّ بمستوى الصوت الأصليّ الذي كان عليه في مسرح نادي الضبّاط، ولا لأنّ أعمال الإنشاء في الحيّ وصلت ذروتها بمعدات ثقيلة قادرة على اختراق حتى “سابع النوم”، وليس بسبب بكاء توأم جارتنا المتطابقين في الملامح والمختلفين في توقيت الصراخ.. الضجيجُ يأتي أيضاً من أزرار الهاتف.
من هنا، من نصف العتمة والفراغ واللا شيء، أستطيع أن أقنعكم أنّي مشغول أكثر من أمّ العروس، وأجندتي مزدحمة كما هو جدول أعمال الجامعة العربية في مواسم الشقاق، لا وقتَ في ساعتي المتأخّرة لأحكّ فروة رأسي، فهاتفي دائم الرنين مثل طفل مصاب بفرط النشاط، أتحدّثُ والسيجارة في طرف فمي، وأضع مكالمات لحوحة، قليلة الذوق، على قائمة الانتظار الطويل. أتذمّر من قِصر النهار، وخِفّة الليل، وأشكو أنّ الأيام “ترمح”.
عاشق ومعشوق أنا، لا مساحة نصف شاغرة في قلبي الفندقيّ، ففي كلّ زاوية هناك امرأة تنتظر أن أضيفها سطرا يمكن أن يُمحى بالتقادم والضجر، ولي مواعيد ليليّة ثابتة، ونهاريّة طارئة، وأخرى في عِلم الشّعر. أحبُّ كلّما مرّ الهوى، وكلّما وقعت ثمرة من شجرة الطريق، أو تعتق صوت أم كلثوم في الإذاعة.. وأنام في العاشرة والربع مساء على سرير فرديّ، لا متّسع فيه لزوجة أو شريكة.
كذبتُ، فأنا كاذب وكذّاب وكذوب، لكنّ قصدي كان بريئاً، فقط كنتُ أريد أن أبدو أمامكم رجلاً متعدداً، مشغولاً أو متشاغلاً، لديّ مهمات طارئة، ومواعيد مستعجلة، وعلاقات متشابكة، وما يوصف في النعي بأنّه “حياة حافلة”. حاولتُ إثارة غيظكم، فأوهمتكم أنّي سعيد، ولا يحزنني سوى حزنكم، أو ربّما كنتُ أريد أن ألفت انتباهكم، فربّما بعد أربعين يوماً من رحلتي القسريّة إلى السماء.. تتذكرون أنّي كنتُ بينكم.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock