أفكار ومواقف

كارثة إخوان العراق

لا أعتقد أن الإخوان المسلمين كانوا في يوم من الأيام “تنظيما عالميا” على رغم وجود كيان بهذا الاسم. فهم منذ أسسهم الإمام الشهيد حسن البنا تيار عام لا يمكن تخصيصه في تنظيم ولوائح وقيادة مركزية على مستوى عالمي. وإن كان هذا متاحا على مستوى قطري. حتى في الفترة الأولى التي قادها الإمام المؤسس لم تكن تنظيمات الجماعة خارج مصر تدار بطريقة مركزية بل كانت شخصيته مرنة تؤمن بتفويض القيادات المحلية بالتصرف وفق احتياجات كل بلد.


ما تتهم فيه الجماعة من غموض في الموقف تجاه العمل المسلح هو نتيجة مرونة البنا نفسه، فهو لم يكن يجد غضاضة في تلك الحقبة من التاريخ في اللجوء للعمل المسلح حيث لا يجدي غيره. فالجماعة في سورية تشارك في الانتخابات النيابية وفي اليمن تحمل السلاح على الحكم الإمامي على الرغم من كونه حكما إسلاميا. وفي مصر نفسها يترشح البنا  للانتخابات ويعد تنظيما خاصا ذا صبغة عسكرية يقاتل الصهاينة في فلسطين والإنجليز في مصر، وهو ذاته التنظيم الذي يتحول إلى “قاعدة” تفجر محكمة وتغتال رئيس وزراء.


قراءة البنا المتعددة للإسلام بأبعادها السلمية والعنيفة تعبر عن الأوضاع المعقدة والمتنوعة التي كان يمر بها العالم الإسلامي آنذاك. كل الأديان والأفكار تجد مسوغات للجوء إلى العنف سواء في مقارعة الاستعمار أو الاستبداد. والواضح أن البنا كان يريد تهيئة الجماعة لتكون رائدة تحرير العالم الإسلامي وهو ما توضحه شعاراتها “الله غايتنا والرسول قدوتنا والجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا”.


أصاب تعدد القراءات داخل الجماعة إخوان العراق بالحيرة والارتباك مع دخول الأميركيين. قيادات الجماعة في الخارج كانت تتشوق إلى العودة مثلها مثل حزب الدعوة والمجلس الأعلى، ومن يعملون في ظل نظام صدام من إخوان الداخل منقطعون عن العالم ويعتقدون أن شيوخهم في الخارج هم الأدرى والأعلم بتسيير الأمور. الكارثة بدأت في الفتوى التي وصلت من الخارج تطلب من الإخوان مغادرة بغداد وعدم الدفاع عن نظام صدام.


شكل الموقف من الفتوى السرية أول انشقاق عملي داخل الإخوان، فمنهم من غادر بغداد طاعة للقيادة في الخارج ومنهم من رفض معتبرا أن الفتوى خروج عن أصول الدين وأنها تمثل انتهازية سياسية تصل إلى الخيانة. المطيعون انخرطوا في العملية السياسية بشكل كارثي تجلى في التصويت بنعم للدستور الطائفي. وصولا إلى المشاركة في حكومة المالكي الطائفية وإعطاء الشرعية لها. من شقوا عصا الطاعة هم من انخرطوا في العمل العسكري. بل كانوا رواده ومؤسسيه كما حصل في “كتائب ثورة العشرين” و”جيش الراشدين” وغيرهما، وصولا إلى “جامع” و”حماس العراق”.


لا يبدو أبو حمزة المهاجر، مسؤول القاعدة في العراق سابقا، وزير الحربية في “دولة العراق الإسلامية” ملما بتفاصيل الموقف الإخواني لكنه في خطابه أمس قدم قراءة محرجة لقادة الإخوان في العراق وغيره: “إن خيانة هؤلاء القوم ليست وليدة الساعة  ولا اقتضتها ظروف المرحلة فقد أعلنوا وبصراحةٍ أنهم شاركوا في مؤتمري الخيانة والعمالة في لندن وصلاح الدين تمهيداً لغزو واحتلال العراق، وسرّعوا في المشاركة في مجلس الحكم الانتقالي ولم يكن ثمة قوة للرافضة ولا مليشيات، واليوم يريدون أن يقنعوا البسطاء من أهل السنة أنهم يشاركون في العملية السياسة لأجلهم ألا بئس الكذب من أفواه الرجال”.


ومع ذلك “يتلطف” المهاجر ويعلن أنه لا يكفر منتسبي الحزب الإسلامي وإن كفّر قادتهم ولا يدخل مع الجميع في اقتتال “على الرغم مما سبق ذكره من موقفنا الشرعي من قادة الحزب الإسلامي أنهم مرتدون إلا أننا نقولها وبكل وضوح وصراحة أننا لا نرى قتالهم وندينُ الله بعدم الانجرار معهم في معارك جانبية، لا تخدمُ إلا المحتل وأعوانه من الروافض المجوس”.


لو أن الإخوان تبنوا العمل العسكري لمواجهة الاحتلال لتمكنوا وهم الفصيل الأقدم والأكثر انتشارا وتنظيما من تكرار تجربة حماس فلسطين، ولأمكن تجنيب العمل المسلح كثيرا من المزالق الخطيرة. لكنهم كما القطة التي أرادت قطع الشارع فلمحت سيارة مسرعة، فهمت بالرجوع فما قدرت وأحجمت عن الإقدام فتسمرت مكانها منتصف الطريق وداستها العجلات المسرعة.


لا يوجد “تنظيم عالمي” يحاسب قادة الإخوان في العراق، ولكن على “الإخوان” في العراق وخارجه محاسبة تلك القيادات التي لم  تتمكن من مسابقة الفصائل الشيعية والكردية في العمل السياسي، ولا من المنافسة في العمل العسكري، إلا إن كانت جادة في تبني خيار “حماس العراق” ولو بعد فوات الأوان.


yaser.hilala@alghad.jo

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. لماذا رفعتم التعليقات على هذه المقالة
    كتبت تعلقات عديدة على مقالة ابو هلالة وغالب التعليقات كانت تنتقد سذاجة فكر ابو هلالة والمعلومات غير الدقيقة التي اوردها في مقاله.
    الامانة الصحفية والعلمية تقتضي ان لا تحذف التعليقات اسوة بالمقالات السابقة.
    ومع ذالك اقولها ومرة ثانية ان ابو هلالة اخطأ في ماادعاه من ان الحزب الاسلامي العراقي شارك بمؤتمر لندن وصلاح الدين فقد كنت مع القيادة في بريطانيا ولم تشارك, اما من الطلب بعدم مقاتلة الامريكان فهذه اختلاقة زائفة وهي من اشاعات البعثيين وبعض الابواق الاعلامية التي تجمع الاموال بأسم المقاومة وتصرفها على ملذاتها في دول الجوار وبنفس الوقت هي مصدر معلومات استخبارية لايران عبر احدى دول الجوار العربية مما جعل لايران اليد الطولى على بعض فصائل المقاومة , ولاننسى ان القاعدة تمول ايرانيا لتضرب كل القيادات السنية تقوية للاجندة الطائفية.ان كتابات ابو هلالة تجعل من العراقيين اما كافر او مسلم وتضيع بين التعريفين الاف من الارواح ومئات الالاف من الجرحى والمعاقين ويدمر البلد ويسلم على طبق من فضة لايران.
    ان مشاركة الحزب في العملية السياسية جاءت بأجماع القيادة وبمباركة التنظيم العالمي.

  2. ابو هلالة انموذجا للسطحية الفكرية
    لم يستطع ابو هلالة في مقالهان يناقش فكر الامام حسن البنا في مشاركته في العملية السياسية مع وجود الاحتلال البريطاني وامقاومته للاحتلال في نفس الوقت وهذا مايحصل في العراق واضاف الى هذه البساطة في التحليل بعدا تكفيريا في استنكاره ولو من طرف خفي عدم تكفير القاعدة للحزب الاسلامي العراقي الذي يعتبر احد اكبر الممثلين لاهل السنة والقوى الوطنية في العراق والتي تبلغ الملايين من البشر , هنا ظهرت افكار ابو هلالة الخارجية التي جلبت الخراب على الامة والحركة الاسلامية بتشويه المقاومة في العراق وقتل قاداتها حماقة ودفعا من ايران , وفي جر الامة الاسلامية وتدمير العراق وافغانستان بثمن بخس الاوهو البرجين في نيويورك , قادوا الامة الى معركة لم يستشيروا احدا فيها , خبطات اعلامية غبية اعطت المشروع الصهيوني دفعة امل وروح جديدة .ان مايميز المقال هو افتقاره للمعلومة الدقيقة فالكاتب اعتمد على الانطباعات المكونة عبر السنوات الماضية من قراءات الصحف والاشاعات ولاتنم عن قراءة عميقة للحدث على الارض ولاتوثيق وهذا يجري على عادة الكتاب العرب فكما يقال وهو الحقيقة كلام جرائد.ارجو من ابو هلالة ان يقرأ ويمحص و يفكرثم يكتب

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock