ترجمات

كارثة في الصحراء: لماذا لا يمكن أن تنجح خطة ترامب للشرق الأوسط (2-2)

مارتن إنديك* – (فورين أفيرز) عدد تشرين الثاني (نوفمبر)/ كانون الأول (ديسمبر) 2019

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

في الجزء السابق:
أطلقت إدارة ترامب حملة للافتراق عن الماضي وإنشاء نظام شرق أوسطي جديد. ولإرضاء رئيس يحب الإجابات البسيطة التي بلا تكلفة، يبدو أن الاستراتيجيين في الإدارة توصلوا إلى خطة ذكية. يمكن أن تواصل الولايات المتحدة انسحابها من المنطقة، لكنها لا يجب أن تواجه أي عواقب سلبية نتيجة لذلك، لأن إسرائيل والمملكة العربية السعودية سوف تلتقطان طرف الحبل. سوف تتعاقد واشنطن من الباطن على إسناد مهمة احتواء إيران، المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار الإقليمي، لإسرائيل والمملكة العربية السعودية في بلاد الشام والخليج الفارسي/ العربي، على التوالي. وسوف تؤدي المصالح المشتركة للبلدين في مواجهة إيران إلى تحسين علاقاتهما الثنائية، والتي يمكن لإسرائيل أن تبني عليها تحالفاً ضمنياً مع العالم العربي السُّني. وسوف يحصل الوكلاء على مساحة مناورة واسعة لتنفيذ تكليف واشنطن عند الطلب، بينما يحصل راعيهما على نظام ترامبي جديد بثمن بخس. ولسوء الحظ، لم تكن هذه الرؤية أكثر من خيال محض.

* الطريقة السعودية
أثبتت المملكة العربية السعودية كونها قصة أضعف من أن تعتمد الولايات المتحدة عليها في تنفيذ خططها. لم تكن الرياض قد سعت من قبل مطلقاً إلى قيادة العالم العربي في الحرب أو السلام. وبإدراكهم لمحدوديات بلدهم كدولة غنية -لكنها ضعيفة وبإجماع محلي هش- فضل الحكام السعوديون لعب دور داعمٍ هادئ في النظام الذي تقوده الولايات المتحدة. كانت مصر والعراق وسورية دائماً هم اللاعبون الرئيسيون في السياسة العربية. ولكن، مع عراق ممزق، وسورية غارقة في الفوضى، ومصر راكدة تتناوبها الثورة والثورة المضادة، كان الطريق واضحاً بالنسبة لأمير سعودي شاب طموح وعنيد، لقيادة مسعى بلده إلى تولي القيادة العربية. وعند وصوله إلى السلطة في العام 2015، في سن التاسعة والعشرين، عزز ولي العهد محمد بن سلمان سيطرته على الجهاز العسكري والأمني للمملكة، ثم أطلق برنامجاً طموحاً للتنمية الاقتصادية في الداخل والتدخلات الجريئة في الخارج، بما في ذلك حملة ضد المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن.
كرئيس جديد تعرَّض حديثاً لدبلوماسية الشرق الأوسط لدى توليه المنصب، قفز ترامب على المنافع قصيرة الأجل التي وعدت السعودية بتقديمها في مجالي الأمن والاقتصاد (صفقة أسلحة بقيمة 350 مليار دولار لم تتحقق أبداً، ووعد باستثمارات ضخمة في الولايات المتحدة). وسرعان ما طور الأمير السعودي الشاب علاقة قوية مع نظيره الأميركي جاريد كوشنر، والتي أدت إلى أول رحلة يقوم بها ترامب إلى الخارج، لحضور قمة عربية وإسلامية في الرياض في العام 2017. وكان من المفترض أن يسهل هذا التجمع تحقيق تعاون أكبر في مواجهة التطرف العنيف في المنطقة؛ لكن النتيجة الملموسة الوحيدة كانت إعطاء ترامب الضوء الأخضر لقرار إماراتي-سعودي بحصار دولة قطر المجاورة، وهي شريك أميركي حاسم في الخليج لأنها تستضيف قاعدة العُديد الجوية، أكبر منشأة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط.
بدلاً من التركيز على إيران، أغرى السعوديون ترامب بالاصطفاف مع أحد الأطراف في منافسة أيديولوجية محلية، ضد صديق أميركي آخر أيضاً. وكانت النتيجة إحداث انقسام في مجلس التعاون الخليجي، والذي زاد من تقويض قدرته المحدودة مسبقاً على مواجهة إيران في الخليج، بينما تم الدفع بقطر إلى أحضان إيران لأنها لم تعد تمتلك وسيلة للحفاظ على وصولها إلى العالم سوى استخدام المجال الجوي الإيراني، وهو الأمر الذي كان الإيرانيون سعداء جداً بتقديمه. وقد شوَّش هذا الإخفاق الإدارة منذ ذلك الحين، مع عرقلة السعوديون كل المحاولات الرامية إلى رأب الصدع.
(تسببت الأزمة الإنسانية في اليمن كان من أسبابها استخدام طائرات أميركية الصنع) والتي تستخدم الذخائر الأميركية، في موجة من الغضب العالمي. وكان الضرر الذي لحق بسمعة الولايات المتحدة كبيراً لدرجة أن إجماعاً من الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، حاول تعليق مبيعات الأسلحة (التي يمكن أن تستخدم في حرب اليمن). وقد تجاهل ترامب هذا التحدي، وإنما فقط من خلال استحضار سلطاته التنفيذية، الأمر الذي أثار غضب الكونغرس وعرض للخطر استمرارية واحد من أركان العلاقة الأميركية-السعودية.
قوبل تصميم التحالف على السعي إلى حل عسكري في اليمن بنظيره لدى الحوثيين، الذين زاد اعتمادهم على إيران مع طموحاتهم في حكم البلد. وتقوم طهران الآن بتزويدهم بالصواريخ الباليستية والطائرات من دون طيار لاستخدامها ضد أهداف سعودية، بما في ذلك المطارات المدنية والمنشآت النفطية. (من هنا جاءت الشكوك الأولية حول تورط الحوثيين في هجوم أيلول (سبتمبر) الذي أوقف ما يقرب من نصف طاقة إنتاج النفط في المملكة العربية السعودية. وعلى الرغم من أن هذا الانقطاع لم يدم طويلاً، فإنه هز الاعتماد على المملكة العربية السعودية التي كانت ذات يوم أكبر مصدر للنفط في العالم بسبب العواقب غير المقصودة لسياساتها الخارجية التي شجعها ترامب).
استمرت مكامن الغضب العالمي بالتراكم بعد مقتل المعارض السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول في العام 2018. وبذل ترامب قصارى جهده لحماية شركائه من الإدانة الدولية، حتى أن ترامب وضع قيوداً على وصول الكونغرس إلى المعلومات الاستخبارية عن عملية القتل، زارعاً المزيد من الانقسامات في واشنطن. ومع اعتماد الرياض الكبير على واشنطن، كان يمكن للبيت الأبيض أن يستخدم الأزمة للإصرار على تحمل المسؤولية وكبح نزعة العمل في الخارج. لكن ترامب لم يحاول حتى ذلك، مما سمح بالمزيد من إضعاف فعالية القيادة السعودية للتحالف المناهض لإيران.
كما لم تساعد السعودية كثيراً في عملية السلام. كان يمكن للأيدي المتمرسة أن تخبر ترامب بأن السعوديين لن ينوبوا أبداً عن الفلسطينيين. لكن ترامب منح كوشنر المسؤولية عن عملية السلام، (والذي كان معجباً بإمكانية انفتاح العرب على إسرائيل)، ومزدرياً للفلسطينيين، وغير مهتم بالتعلم من دروس الإخفاقات السابقة. في العام 2017، تلقى كوشنر وعوداً بإمكانية جلب الزعيم الفلسطيني محمود عباس إلى طاولة المفاوضات بشروط ترامب. وجرت محاولة لإقناع الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، بقبول أفكار كوشنر في مقابل 10 مليارات دولار من التمويل. لكن عباس رفض العرض، وسرّب التفاصيل بطريقة تسببت في إثارة الضجيج والاعتراضات في العالم العربي.
كما تلقى كوشنر وعداً بالمصادقة على اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل وطمأنة بأن أي رد فعل سلبي في الشارع العربي سوف يتلاشى في غضون شهرين. وكان هذا كافياً ليرفض ترامب جميع الاعتراضات من فريق إدارته ويعلن قراره في نهاية العام 2017 بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى هناك.
كانت الوعود التي تلقاها كوشنر محقة بشأن رد فعل الشارع العربي. كان ذلك الرد بالكاد ملحوظاً. لكن تلك الوعود فشلت في تحذير كوشنر من العواقب الأخرى… فالمسجد الأقصى، في القدس، هو ثالث أقدس مزارات الإسلام. وباعتباره الوصي على الموقعين المقدّسين الآخرَين، لم يستطع الملك سلمان السكوت، وأدان على الفور قرار ترامب واستدعى قادة المنطقة العرب إلى اجتماع في نيسان (أبريل) التالي لشجب القرار بشكل جماعي. وصرح الملك سلمان مرات عديدة منذ ذلك الحين بأن المملكة العربية السعودية لن تدعم أي تسوية لا تنص على إقامة دولة فلسطينية مستقلة تكون القدس الشرقية عاصمة لها -وهو أمر يرفضه ترامب.
فجر قرار القدس ونقل السفارة خطة كوشنر لجعل بعض العرب يلعبون دوراً بارزاً ورائداً في عملية السلام. كما دفع الفلسطينيين بعيداً عن طاولة المفاوضات. وفي أعقاب القرار، قطع الفلسطينيون كل الاتصالات الرسمية مع إدارة ترامب، وأدان عباس خطة ترامب المقبلة للسلام باعتبارها “صفقة مخزية”، والتي “ستذهب إلى الجحيم”. وعندما كشف كوشنر النقاب عن الأبعاد الاقتصادية لخطة ترامب للسلام في اجتماع عُقد في البحرين في حزيران (يونيو) الماضي -والذي صُمم ليُري الفلسطينيين أنهم سيستفيدون من السلام- قاطع الفلسطينيون المؤتمر.
وهكذا، لم تكن البلطجة أكثر فعالية من الرشوة. وقد اعتقد ترامب بأن الفلسطينيين ضعفاء جداً لدرجة أنه يستطيع أن يضربهم بقوة عن طريق قطع المساعدات، وإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن والقنصلية الأميركية العامة في القدس، ومحاولة القضاء على وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في فلسطين والشرق الأدنى. ولكن، مرة أخرى، وكما توقع كل من لديه خبرة في المنطقة، لم ينجح هذا. لم تفعل معاقبة الفلسطينيين سوى أن جعلتهم أكثر تمسكاً بموقفهم وجمعتهم خلف قيادتهم (التي لا تحظى بخلاف ذلك بأي شعبية).
من دون الحلفاء العرب والفلسطينيين، لم تعد لدى كوشنر فرصة تذكر لتأمين دعم العرب الآخرين الضروري للجزء الأساسي من الخطة، أي الترتيبات السياسية والأمنية (…) وهو ما دفع كوشنر إلى إعادة جدولة موعد إطلاق الخطة الكاملة مرة أخرى حتى وقت “أكثر ملاءمة”. وإدراكًا منه لحقيقة أنه ليس لهذه الخطة مستقبل، استقال غرينبلات.
هناك مبادرة أخرى في المنطقة، هي التحالف الاستراتيجي المقترح للشرق الأوسط، والتي لم تذهب هي الأخرى إلى أي مكان. فقد ساد افتراض بأن ترامب يمكن أن يجلب بعض الدول العربية إلى تحالف لمواجهة إيران. وضم التحالف الذي أطلق عليه اسم “الناتو العربي”، كلاً من مصر والأردن ودول مجلس التعاون الخليجي تحت مظلة أمنية أميركية لتعزيز التعاون بين هذه الدول، وليكون، كما قال متحدث باسم البيت الأبيض، “بمثابة حصن ضد العدوان الإيراني”. وسوف تكون إسرائيل شريكاً صامتاً. وقد كشفت التناقضات الداخلية للمشروع عن نفسها في الاجتماع الأولي في أيلول (سبتمبر) 2017، وتوقف بسرعة. وفي النهاية، قام ترامب بتعيين أنتوني زيني، القائد السابق للقيادة المركزية الأميركية، كمبعوث خاص لتحريك الأمور إلى الأمام. ولكن، بالنظر إلى تردد الدول العربية الأخرى في استفزاز الدب الإيراني، لم يتمكن زيني من إحراز أي تقدم، واستقال في كانون الثاني (يناير). وبعد ثلاثة أشهر، انسحبت مصر، وماتت المبادرة.
إيران مهتاجة
تمامًا مثل تخبطها على الجبهات الأخرى، لم تسفر جهود إدارة ترامب بشأن إيران عن كثير من النتائج الإيجابية. وبدا لفترة من الوقت أن حملة “الضغط الأقصى” كانت تقلل تمويل إيران لوكلائها في الخارج. ومع ذلك، كانت تلك العمليات تُدار دائماً بثمن بخس، ومع بعض شد الحزام، استمرت هذه العمليات على قدم وساق. والآن، ما يزال حزب الله يحاول إضافة المزيد من الصواريخ الموجهة بدقة إلى ترسانته في لبنان، وما تزال الميليشيات المدعومة من إيران في سورية في مكانها؛ وشهد الحوثيون في اليمن وحماس والجهاد الإسلامي في غزة ازدياداً في تمويلهم فعلياً.
وكأنما كان غير قانعٍ بالحد الأقصى من الضغط، زاد ترامب في شهر نيسان (أبريل) من هذا العام ضغطه على إيران أكثر فأكثر من خلال تسمية فيلق الحرس الثوري الإسلامي الإيراني منظمة إرهابية، ووقف المهلة الممنوحة للصين والهند لشراء النفط الإيراني. ومع انهيار اقتصادها وفشل الأوروبيين في توفير تخفيف مناسب للعقوبات، قررت طهران أن هذا يكفي.
حتى ذلك الوقت، كان الإيرانيون يمارسون ما وصفوه بـ”الصبر الاستراتيجي” -في انتظار الانتخابات الرئاسية الأميركية في العام 2020، مع تحمل الصعوبات في الأثناء، وإبقاء الأوروبيين على الخط من خلال الالتزام بالاتفاقية النووية. والآن، قررت إيران أن ترد.
أولاً، قللت من امتثالها لـخطة العمل الشاملة المشتركة من خلال توسيع مخزونها من اليورانيوم منخفض التخصيب. ثم، استأنفت مستويات أعلى من التخصيب. وفي أيلول (سبتمبر)، استأنفت تطوير أجهزة الطرد المركزي، مما يؤدي إلى اختصار الوقت اللازم لإنتاج أسلحة نووية. وبما أن ترامب كان أول من ابتعد عن الاتفاق، ممزقاً الإجماع القانوني الدولي الذي تم تطويره بشق الأنفس والذي حال دون امتلاك إيران للأسلحة النووية، لم تكن الولايات المتحدة في وضع يسمح لها بقول أو فعل أي شيء لوقفها.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس في لقاء مع المبعوث الأميركي جاريد كوشنر في رام الله – (أرشيفية)


أصبحت تحركات إيران تدفع بترامب إلى زاوية تزداد ضيقاً باطراد. وإذا لم يتمكن من إقناع الإيرانيين بتغيير الاتجاه، فسوف يتعرض لضغوط من مستشاريه الصقور ونتنياهو لقصف برنامجهم النووي، وهي مغامرة خطيرة. لكن الطريقة الوحيدة لإقناعهم هي منح إيران تخفيفاً للعقوبات، وهو أمر من الواضح أن ترامب يكره أن يفعله. كما يتصاعد التوتر أيضاً لأن إيران تقوم الآن بضرب المصالح الأميركية في جميع أنحاء المنطقة: ست ناقلات نفط أصيبت بهجمات غامضة خارج مضيق هرمز؛ هجوم صاروخي إيراني على مرتفعات الجولان؛ مواجهات في غزة أثارتها حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية؛ وحقول النفط السعودية التي ضربتها الطائرات من دون طيار.
في شهر أيار (مايو)، رد ترامب بإرسال مجموعة ضاربة مصاحبة لحاملة طائرات وقاذفات إلى منطقة الخليج، ولكن عندما تعلق الأمر بالانتقام من إسقاط طائرة أميركية من دون طيار، فإنه تردد. وقد التقط الإيرانيون الرسالة: يحبُّ ترامب التحدث عن الحرب، لكنه لا يرغب في شنها. وفهموا أنه يفضل عقد الصفقات. لذلك عرضوا بذكاء بدء مفاوضات. وباستشعار قمة أخرى مصممة للعروض التلفزيونية، قفز ترامب على العرض ودعا الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى الاجتماع على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول (سبتمبر)، قائلاً عن المشكلة الإيرانية: “يمكننا أن نحلها في غضون 24 ساعة”.
أصابت إدارة ترامب وجهه إلى الجهة الأخرى بهذه الطريقة الشركاء بالذعر، وخاصة نتنياهو الذي عارض ذلك علناً. وأصبح السعوديون أكثر احتراساً لدى تأمل الرد على هجوم الطائرات من دون طيار في أيلول (سبتمبر) على حقولهم النفطية. ولم يضيع الإماراتيون وقتاً للتحوط في رهاناتهم، فأرسلوا مسؤولين إلى طهران لاستئناف محادثات الأمن البحري المتوقفة منذ فترة طويلة. وبالنسبة لشركاء ترامب في الشرق الأوسط، كان اللقاء بين الرئيس الأميركي المتهور وغير القابل للتنبؤ بتصرفاته والرئيس الإيراني الهادئ والمهني أسوأ كابوس لهم.
الآن، بعد مرور ثلاث سنوات تقريباً على ولايته، ليس لدى ترامب ما يعرضه من جهوده لمواجهة إيران أو تعزيز السلام في الشرق الأوسط. بدلاً من ذلك، غذت سياساته الصراع بين إيران وإسرائيل، وعزلت الفلسطينيين، ودعمت حرباً بلا نهاية تسببت بأزمة إنسانية في اليمن، وقسمت مجلس التعاون الخليجي، ربما بشكل دائم.
ثمة طريق آخر يمكن أن تسلكه الولايات المتحدة في المنطقة، وهو نهج أكثر خدمة بكثير لمصالح واشنطن وجميع حلفائها وشركائها. وسوف يتطلب ذلك الطريق تكثيف الدبلوماسية الأميركية وتقليص أهداف الولايات المتحدة إلى ما يمكن تحقيقه بالوسائل المتاحة: قوموا باحتواء إيران بدلاً من محاولة تقويض مكاسبها أو إسقاط نظامها. حافظوا على الوجود المتبقي للقوات الأميركية في العراق وسورية. عودوا إلى خطة العمل الشاملة المشتركة وابنوا عليها لمعالجة الجوانب الإشكالية الأخرى من السلوك الإيراني، باستخدام التخفيف المعايَر للعقوبات كوسيلة للضغط. حُلوا النزاع في مجلس التعاون الخليجي وقوموا بإشراك جميع الأطراف المعنية لمحاولة إنهاء الصراع في اليمن. عودوا إلى السعي للتوصل إلى حل عادل للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، حيث قد تكون احتمالات تحقيق انفراج منخفضة، لكن الانخراط ضروري للحفاظ على الأمل في تحقيق حل الدولتين على الطريق. تعاملوا مع إسرائيل والمملكة العربية السعودية كشريكين إقليميين حاسمين، وإنما ليس كمتعاقدَين من الباطن مع يد طليقة في العمل. وبدلاً من ازدراء الإجماع الدولي، حاولوا إعادة تشكيله ليتوافق مع المصالح الأميركية.
قد يؤدي هذا المسار البديل في النهاية إلى تجديد ناجح للمشروع الكبير الذي كان كيسنغر قد بدأه قبل نصف قرن. أما إذا استمرت الولايات المتحدة في اتباع حماقة ترامب بدلاً من ذلك، فلا ينبغي أن تتفاجأ إذا وجدت نفسها أخيراً وحيدة في الصحراء، تطارد السراب. (انتهى)
*مارتن شون إنديك: دبلوماسي ومحلل للعلاقات الخارجية صاحب خبرة في الشرق الأوسط. بالإضافة إلى خدمته في الحقل الأكاديمي وكمستشار للإدارات السياسية ، كان زميلاً متميزاً في الدبلوماسية الدولية ونائباً للرئيس التنفيذي في معهد بروكينغز في واشنطن العاصمة في الفترة من 2001 – 2018. أخذ إجازة من معهد بروكينغز للعمل كمبعوث خاص للولايات المتحدة للمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية من 2013 إلى 2014. وهو حاليًا زميل متميز في مجلس العلاقات الخارجية.
عمل إنديك مرتين سفيراً للولايات المتحدة في إسرائيل، وعمل أيضاً مساعداً لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى خلال إدارة كلينتون. يعرف باسم واضع أطر سياسة الاحتواء المزدوج للولايات المتحدة في تلك الفترة، والتي سعت إلى “احتواء” العراق وإيران. وكان يُنظر إلى هاتين الدولتين باعتبارهما أكثر الخصوم الاستراتيجيين أهمية في ذلك الوقت. وهو مؤلف كتاب “بريء في الخارج: سرد حميم لدبلوماسية صنع السلام الأميركية في الشرق الأوسط”. (2014).

*نشر هذا التحليل تحت عنوان: Disaster in the Desert: Why Trump’s Middle East Plan Can’t

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock