السلايدر الرئيسيترجمات

كارثة في الصحراء: لماذا لا يمكن أن تنجح خطة ترامب للشرق الأوسط (2-1)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

مارتن إنديك* – (فورين أفيرز) عدد تشرين الثاني (نوفمبر)/ كانون الأول (ديسمبر) 2019
مقدمة
تنشر مجلة “فورين أفيرز” الأميركية الشهيرة في عددها لتشرين الثاني (نوفمبر)/ كانون الأول (ديسمبر) ملفاً يضم مجموعة من المقالات التي تقيّم أداء الرئيس الأميركي دونالد ترامب فيما يتعلق بسياسة الشرق الأوسط. ويحمل الملف عنوان “شرق أوسط ترامب: دليل للمحتارين”. وتنشر “الغد” ترجمة لمقالات الملف لأهميتها في فهم طبيعة السياسة الأميركية وتداعياتها على المنطقة.
يقول محرر الملف في تقديمه: “قفزت سياسات إدارة ترامب في الشرق الأوسط إلى عناوين الأخبار في الصيف الماضي، بينما انتقلت المنطقة إلى شفا الحرب. وبالنظر لأن الموقف مشوش ومربك، فقد قمنا بتجميع دليل للمحتارين”.
“للشرق الأوسط تاريخ وثقافة ومنطق جيوسياسي متميز؛ حيث تجد القوى المحلية نفسها عالقة في لعبة كبيرة دائمة التغيُّر. ومع أن الشرق الأوسط أضعف كثيراً من إمكانية تجنب الهيمنة المؤقتة للغرباء، فإنه قوي بما يكفي لمقاومة الاحتواء الكامل. ونتيجة لذلك، تذهب الخطط الكبرى لخلق نظام إقليمي بشكل حتمي أدراج الرياح، ويغادر الأجانب مصحوبين بالسخط والغضب في نهاية المطاف، واللعبة تستمر”.
“في منتصف القرن العشرين، استلمت الولايات المتحدة الزمام من المملكة المتحدة لتكون القوة الخارجية القياسية في المنطقة. وبحلول سبعينيات القرن العشرين، كان عليها أن تتعامل مع بقايا حرب الأيام الستة، التي استولت فيها إسرائيل على أراضٍ من مصر والأردن وسورية. واستخدم وزير الخارجية الأميركي في ذلك الحين، هنري كيسنغر، الدبلوماسية الأميركية لتسهيل تسليم الأرض مقابل السلام، مؤذناً بانطلاق عقود مما تعرف الآن باسم “عملية السلام في الشرق الأوسط”. لكن هذه العملية توقفت بحلول العام 2016. وكانت معظم الإدارات الجديدة ستحاول المضي قدماً بهذه العملية. لكن الرئيس دونالد ترامب قام بدلاً من ذلك بقطع أجهزة الحياة عنها”.
في هذا المقال من الملف، الذي تنشر “الغد” ترجمته (ببعض التصرف)، “يشرح الخبير في شؤون المنطقة، مارتن إنديك، كيف تخلت الإدارة الأميركية عن نصف قرن من السياسة الأميركية لصالح حلم بالهيمنة على أساس انسحاب أميركي رخيص الكلفة، مع التعاقد على احتواء إيران مع إسرائيل والمملكة العربية السعودية. ويقول إن هذا المسار الجديد هو إخفاق كامل، والذي أدى مباشرة إلى الأزمة الحالية.
وفي نهاية تقديمه للملف، يكتب المحرر: “تقدم هذه المقالات نافذة على المشهد الجديد الصارخ في الشرق الأوسط. فاقرأها وانتحب”.

* * *
في تموز (يوليو) 2019، حضر جاسون غرينبلات، الذي كان آنذاك مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، اجتماعاً فصلياً روتينياً لمجلس الأمن حول الشرق الأوسط. وعند تقديمه تحديثاً عن تفكير إدارة ترامب في عملية السلام، أخبر الجمهور الذي تفاجأ بوضوح شديد بأن الولايات المتحدة لم تعد تحترم “الرواية الخيالية” عن وجود إجماع دولي حول القضية الإسرائيلية -الفلسطينية.
وبذل غرينبلات قصارى جهده –لا لمهاجمة إجراء متطرّفٍ أو غامضٍ ما فحسب، وإنما لمهاجمة قرار مجلس الأمن رقم 242، الذي كان الأساس لنصف قرن من المفاوضات العربية-الإسرائيلية ولكل اتفاق توصلت إليه إسرائيل خلاله، بما في ذلك معاهدتا السلام مع مصر والأردن. وانتقد غرينبلات صياغته الغامضة، التي حمَت إسرائيل لعقود من المطالب العربية بالانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة، ووصفه بأنه “خطابة مهترئة تم تصميمها لمنع إحراز التقدم ولتجاوز المفاوضات المباشرة” وادعى أنه أضر -بدل أن يُفيد- فرص تحقيق سلام حقيقي في المنطقة.
كان ذلك الخطاب الساخط محسوباً. فبتوجيه من رئيسه، جاريد كوشنر، صهر الرئيس وكبير مستشاري الشرق الأوسط، كان غرينبلات يحاول تغيير وجهة الحديث، “لبدء مناقشة واقعية جديدة” للمسألة. أما قرارات الأمم المتحدة، والقانون الدولي، والإجماع العالمي -فكلها كانت غير ذات صلة. من الآن فصاعداً، لم تعد واشنطن تؤيد حلاً قائماً على أساس الدولتين للنزاع؛ حيث تعيش دولتان مستقلتان، يهودية وفلسطينية، جنباً إلى جنب بسلام وأمن.
كان عرض غرينبلات جزءاً من حملة أوسع نطاقاً أطلقتها إدارة ترامب للافتراق عن الماضي وإنشاء نظام شرق أوسطي جديد. ولإرضاء رئيس يحب الإجابات البسيطة التي بلا تكلفة، يبدو أن الاستراتيجيين في الإدارة توصلوا إلى خطة ذكية. يمكن أن تواصل الولايات المتحدة انسحابها من المنطقة، لكنها لا يجب أن تواجه أي عواقب سلبية نتيجة لذلك، لأن إسرائيل والمملكة العربية السعودية سوف تلتقطان طرف الحبل. سوف تتعاقد واشنطن من الباطن على إسناد مهمة احتواء إيران، المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار الإقليمي، لإسرائيل والمملكة العربية السعودية في بلاد الشام والخليج الفارسي/العربي، على التوالي. وسوف تؤدي المصالح المشتركة للبلدين في مواجهة إيران إلى تحسين علاقاتهما الثنائية، والتي يمكن لإسرائيل أن تبني عليها تحالفاً ضمنياً مع العالم العربي السُّني. وسوف يحصل الوكلاء على مساحة مناورة واسعة لتنفيذ تكليف واشنطن عند الطلب، بينما يحصل راعيهما على نظام ترامبي جديد بثمن بخس. ولسوء الحظ، لم تكن هذه الرؤية أكثر من خيال محض.
في منتصف سبعينيات القرن الماضي، حتى مع إعادة الولايات المتحدة تخندقها بعد هزيمتها في فيتنام، نجح وزير الخارجية الأميركي، هنري كيسنغر، في إرساء أسس نظام شرق أوسطي جديد بقيادة الولايات المتحدة. وكانت أداته الرئيسية هي الدبلوماسية النشطة للمصالحة بين إسرائيل وجيرانها العرب. وفي العديد من النواحي، كانت جهوده والجهود التي أعقبتها ناجحة بشكل لافت؛ حيث أنتجت معاهدات سلام بين إسرائيل ومصر وبين إسرائيل والأردن، بالإضافة إلى اتفاق انتقالي مع الفلسطينيين.
مع ذلك، توقف ذلك التقدم خلال القرن الحادي والعشرين؛ حيث حطمت الانتفاضة الثانية الآمال بتحقيق المصالحة الإسرائيلية-الفلسطينية، ومكَّنت حرب العراق إيراناً ثورية؛ وأدى الربيع العربي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة وآذن بصعود “الدولة الإسلامية” أو (داعش).
وهكذا، أياً يكن من يفوز بالرئاسة الأميركية في العام 2016، فإنه كان سيواجه مشهداً دبلوماسياً قاتماً في الشرق الأوسط. وكانت أي إدارة جديدة ستستجيب لهذا الموقف من خلال العودة إلى الأساسيات، وبذل محاولة مضنية لإعادة بناء النظام الذي بناه كيسنغر، لأنه خدم، على وجه العموم، المصالح الأميركية بشكل جيد. وبدلاً من ذلك، قررت إدارة ترامب نسف كل ما تبقى.
وليست هذه فوضى طائشة أو مجرد سياسة داخلية، كما تقول الرواية الرسمية، وإنما هي تدمير خلاق -الهدم الضروري لتمهيد الأرض لافتتاح هيكل دبلوماسي جديد كبير في القريب. وتبدو الكتيبات الدعائية عظيمة. هذا شأنها دائماً. لكنها كانت مجرد وهم آخر.
تحب إدارة ترامب أن ترى نفسها على أنها واضحة الرؤية وحادة التفكير، وأنها تواجه الحقائق الصعبة التي يرفض الآخرون الاعتراف بها. لكنها، في الحقيقة، لا تفهم سوى القليل عن الطريقة التي يعمل بها الشرق الأوسط في الواقع، بحيث كانت جهودها الخرقاء فاشلة في كل شيء. وكما حدث في كثير من الأحيان في الماضي، يقوم المحليون الأذكياء باستغلال دخيل غِرّ جاهل، ويدفعون أجنداتهم الشخصية على حساب الأميركيين الساذجين.
لا يمكن لسياسات إدارة ترامب في الشرق الأوسط أن تنشئ نظاماً إقليمياً جديداً أكثر استقراراً. لكنها بالتأكيد ستبلي حسناً في مواصلة تدمير النظام القديم، والمغامرة بخسارة كل ما كانت قد كسبته. وسوف ينسجم هذا بطريقة مثالية مع حملة ترامب الشاملة للتخلص من النظام الدولي الليبرالي لصالح قانون الغاب.
يا قُدس
يُساء فهم كل جانب من جوانب المثلث الاستراتيجي الجديد المفترض لإدارة ترامب، بدءاً من إيران، وهي مُهيمِن إقليمي محتمل عدواني ببرنامج نووي متطور جيداً، والذي كانت واشنطن تحاول احتواءه منذ عقود. وفي العام 2015، حقق الدبلوماسيون الأميركيون والأوروبيون اختراقاً كبيراً من خلال التفاوض على خطة العمل الشاملة المشتركة، وهي اتفاقية كلاسيكية متعددة الأطراف للحد من الأسلحة، والتي وضعت برنامج إيران النووي أخيراً تحت إشراف دولي مكثف. وبحلول الوقت الذي استلم فيه ترامب منصبه، كانت الاتفاقية تعمل بشكل جيد من الناحية العملية، ووفرت عمليات التفتيش التي أقرّتها الخطة درجة عالية من الثقة في أن إيران لم تكن تتابع بنشاط برنامجاً للأسلحة النووية.
كانت الصفقة بالكاد مثالية. فقد مكنت شروطها إيران من استئناف أجزاء من برنامجها النووي بعد عشر سنوات، ولم تتعامل بشكل كاف مع برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، ولم تعالج الجهود الإيرانية العدوانية لزعزعة الاستقرار الإقليمي. ومع ذلك، أزال الاتفاق الملف النووي عن الطاولة، وقدم نموذجاً لكيفية حل النزاعات العنيدة. ولذلك، كانت الخطوة التالية الواضحة لأي إدارة قادمة ستتمثل في البناء على خطة العمل الشاملة المشتركة ومعالجة المشكلات الأخرى على جدول الأعمال. ولكن، بدلاً من ذلك، في أيار (مايو) 2018، في تجاهل لمشورة وزير الخارجية آنذاك، ريكس تيلرسون، ووزير الدفاع جيمس ماتيس، ومع كذب صارخ بشأن امتثال إيران، قام ترامب بتمزيق الاتفاقية.
كان ذلك، في جزء منه، ناجماً عن هوس ترامب الشخصي بباراك أوباما. أي شيء فعله سلفه كان يجب نقضه، وكانت صفقة إيران إنجاز هي أوباما الأبرز. لكنّ شيئاً أكبر من الغلّ كان هناك. في خطاب ألقاه بعد وقت قصير من انسحاب الولايات المتحدة من الصفقة، كشف مايك بومبيو، وزير خارجية ترامب الجديد، عن حملة “الضغط الأقصى” للإدارة، المتمثلة في إعادة فرض عقوبات بهدف قطع صادرات النفط الإيرانية، في محاولة تهدف إلى منع البلد من امتلاك “شيك على بياض للهيمنة على الشرق الأوسط”. وأصدر بومبيو قائمة بالمطالب التي ارتقت في مجموعها إلى حد الاستسلام الإيراني: لا تخصيب لليورانيوم أبداً، على الإطلاق؛ لا تدخل في عمليات التفتيش التي تجريها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في أي مكان؛ لا تطوير لصواريخ ذات قدرات نووية؛ لا دعم لحماس أو حزب الله أو الجهاد الإسلامي الفلسطيني أو الميليشيات الشيعية العراقية أو طالبان أو الحوثيين في اليمن؛ لا قوات بقيادة إيرانية في أي جزء من سورية؛ ولا أي تصرف يهدد إسرائيل أو المملكة العربية السعودية أو الإمارات العربية المتحدة. وفي حالة وجود أي شك، كان بومبيو صريحاً: لن تكون هناك أي إعادة للتفاوض على خطة العمل الشاملة المشتركة.
لم يتم تنسيق هذه التحركات مع حلفاء الولايات المتحدة وشركائها. وتم تجاهل نداءات الأطراف الأخرى الموقعة على خطة العمل الشاملة المشتركة -الصين، وروسيا، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا والاتحاد الأوروبي- حتى أنهم هُدِّدوا بالعقوبات الأميركية إذا تجرأوا على شراء النفط الإيراني، في تناقض مع بنود الاتفاقية التي كانوا قد وقعوها.
في الأثناء، كان الرئيس مصمماً على سحب القوات الأميركية من المنطقة بسرعة أكبر حتى مما فعل سلفه. وزادت الإدارة بشكل كبير من مطالبها حول إيران في الوقت نفسه الذي قللت فيه من قدرتها -وإرادتها- لردع نشاط طهران الشائن في المنطقة. وقد عبر عن الفجوة بين الخطاب والواقع أفضل ما يكون بومبيو نفسه، الذي أعلن بعد شهر واحد من إعلان ترامب عزمه على سحب كل جندي أميركي من سورية، أن الولايات المتحدة تنوي “طرد كل وآخر جندي إيراني” من البلد.
أصر فريق ترامب على أن الهوة بين النوايا والقدرات لن تكون مشكلة، لأن معظم عبء احتواء إيران سيتحمله شريكان إقليميان قويان لواشنطن؛ إسرائيل والمملكة العربية السعودية. وكان هناك منطق سطحي لهذا النهج، هو أن إسرائيل الآن أقوى قوة في المنطقة، والمملكة العربية السعودية دولة غنية ومؤثرة. لكن هذا المنطق لا يمكن أن يصمد أمام التمحيص الدقيق.
تتمتع إسرائيل بقدرات عسكرية هائلة وبمصلحة مشتركة مع الدول العربية السنية في مواجهة إيران، لكن الولايات المتحدة لا تستطيع الاعتماد على الدولة اليهودية لتعزيز مصالحها في العالم العربي. فقد وضع الصراع الإسرائيلي الذي لم يُحل بعد مع الفلسطينيين سقفاً لقدرتها على التعاون علناً مع جيرانها. صحيح أنه كثيراً ما تكون الدول العربية على استعداد لإقامة قضية مشتركة مع إسرائيل تحت الطاولة؛ وقد فعلت البعض منها ذلك منذ الستينيات. لكن من شأن وجود ارتباط مفتوح ومعلن مع الدولة اليهودية أن يتيح لإيران أن تضرب هذه الدول باتهمامها بالرِّدة، وأن تخلق فيها معارضة داخلية.
في شباط (فبراير) من هذا العام، على سبيل المثال، حاول ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تنظيم مؤتمر مناهض لإيران في بولندا. وغرد نتنياهو على “تويتر” بأنه “كان اجتماعاً مفتوحاً مع ممثلي الدول العربية الرائدة، التي تجلس مع إسرائيل من أجل تعزيز المصلحة المشتركة لمكافحة إيران”. ومع ذلك، رفض وزراء الخارجية العرب الظهور في نفس الجلسة معه في المنتدى العام للمؤتمر. وكان أفضل ما يمكن أن يفعله الزعيم الإسرائيلي هو نشر فيديو تم تصويره بطريقة غير مشروعة على “يوتيوب” لوزراء خارجية البحرين والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وهم يناقشون موضوع إسرائيل. (تمت إزالة الفيديو سريعاً). أما بالنسبة للحلفاء الأوروبيين للولايات المتحدة، فقد أرسلوا في الغالب ممثلين من مستوى منخفض، والذين كان مصيرهم هناك التعرض لتوبيخ العلني من نائب الرئيس الأميركي، مايك بينس، على محاولتهم تثبيط إيران عن الخروج من الاتفاق النووي.
في غضون ذلك، في سورية، لا تستطيع إسرائيل تحقيق هدفها المتمثل في طرد الوجود الإيراني الذي يضم ميليشيات تدعمها إيران والتي تتكون من نحو 40.000 مقاتل، من دون مساعدة خارجية. ولكن، مع توجه الولايات المتحدة إلى المخارج هناك، لم يكن أمام إسرائيل خيار سوى أن تقصد روسيا من أجل المساعدة، بالنظر إلى وجود الروس العسكري وتأثيرهم على نظام الأسد. ومع ذلك، لم تجلب الزيارات المتكررة التي قام بها نتنياهو لموسكو سوى قبول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المحدود بالضربات الجوية الإسرائيلية للأهداف الإيرانية. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي يأمل في استخدام الضغط الأميركي والوعود بتخفيف العقوبات لإقناع روسيا بالضغط على إيران لمغادرة سورية، لكن تلك الخطة لم تنجح أيضاً. وفي حزيران (يونيو) الماضي، دعا نتنياهو كبار مستشاري الأمن القومي الأميركيين والروس إلى القدس لمناقشة العمل المشترك ضد طهران. وهناك، سكب الروس ماءاً بارداً على الخطة، موضحين علَناً أن روسيا وإيران تتعاونان في قضايا مكافحة الإرهاب، وأنه يجب الاعتراف بمصالح إيران في سورية، وأن الضربات الجوية الإسرائيلية ضد الأصول الإيرانية في سورية “غير مرغوب فيها”.
شعر نتنياهو بالقلق الشديد من إعلان ترامب المفاجئ عزمه على سحب القوات الأميركية المتبقية من شرق سورية؛ حيث كانت هذه القوات تساعد على منع إيران من إقامة جسر بري من العراق إلى لبنان، مما اضطره إلى التماس البيت الأبيض لتأجيل الانسحاب. لكن هذا التدبير المؤقت لم يفعل أي شيء لإزالة معاقل إيران السورية، ولم تؤد مئات الضربات الإسرائيلية ضد المواقع الإيرانية سوى إلى زيادة خطر انتشار الصراع إلى العراق ولبنان، وتصعيده إلى حرب واسعة النطاق بين إسرائيل وحزب الله.
كانت حدود إسرائيل مع سورية هادئة منذ ما يقرب من أربعة عقود بعد أن تفاوض كيسنغر على اتفاق فض الاشتباك الإسرائيلي-السوري في العام 1974. وشمل الاتفاق صفقة جانبية متفاوضاً عليها بعناية بين الولايات المتحدة وسورية، والتي ألزمت نظام الأسد بمنع الإرهابيين من العمل ضد إسرائيل من الجانب السوري من مرتفعات الجولان. واستند اتفاق فض الاشتباك ذاك إلى قرار مجلس الأمن رقم 242، مع حظره الصريح للاستيلاء على الأراضي بالقوة، والذي أوضح أن مرتفعات الجولان هي أرض سيادية سورية. ومع ذلك، فإن قرار الأمم المتحدة، الذي حرص غرينبلات على التقليل من أهميته أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، سمح لإسرائيل بالاحتفاظ بهضبة الجولان حتى يتم التوصل إلى اتفاق سلام نهائي. وهو السبب في أن إسرائيل لم تقُم بضم تلك المنطقة مطلقاً، على الرغم من أنها تعتبرها ذات أهمية استراتيجية وتحتفظ بمستوطنات هناك -حتى أنها أنشأت مزارع كروم وصناعة سياحة قوية في المنطقة. (بدلاً من إعلان السيادة، عمد رئيس الوزراء في ذلك الحين، مناحيم بيغن، في قرار مثير للجدل في العام 1981، إلى توسيع مظلة القانون الإسرائيلي إلى الجولان، وهو ما تسبب بإدانة إسرائيل في مجلس الأمن الدولي، مع تصويت الولايات المتحدة لصالح الإدانة).
تمكنت إسرائيل وسورية من الحفاظ على اتفاقهما لأجيال، بل إنهما تمسكتا به حتى عندما انزلقت الأخيرة إلى دوامة الحرب الأهلية والفوضى. وعندما طلب نتنياهو مساعدة روسيا في إبعاد المليشيات المدعومة من إيران عن مرتفعات الجولان في تموز (يوليو) 2018، فإنه استشهد صراحة باتفاقية فض الاشتباك، كما فعل بوتين بدوره في مؤتمره الصحفي مع ترامب في قمة هلسنكي المشؤومة في نفس ذلك الشهر. لكن ذلك كان قبل أن يطلب نتنياهو مساعدة ترامب في آخر محاولة لإعادة انتخابه. وفي ما وصفه ترامب لاحقاً بأنه إحاطة “سريعة”، طلب كوشنر وديفيد فريدمان، السفير الأميركي لدى إسرائيل، نيابة عن نتنياهو، الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان (حتى من دون إبلاغ بومبيو، الذي صادف أنه كان يزور إسرائيل في ذلك الوقت).
وكان ترامب سريعاً إلى الموافقة. وقال بعد ذلك للتحالف اليهودي الجمهوري في اجتماعه السنوي في لاس فيغاس: “قلت: ’بينغ، تم ذلك‘!”. وفي آذار (مارس) من هذا العام، أصدر مرسوماً رئاسياً أعلن فيه أن مرتفعات الجولان هي جزء من إسرائيل. وتفاخر ترامب بأنه فعل شيئاً لم يكن أي رئيس آخر على استعداد للقيام به. ومن الواضح أنه لم يكن على دراية بأن أي حكومة إسرائيلية سابقة لم تكن مستعدة للقيام بذلك أيضاً، وهي تدرك أنها ستنتهك بذلك مبدأ أساسياً في قرار مجلس الأمن رقم 242 ولا ترغب في جني الزوبعة التي ستنشأ عن ذلك.
ولم تكن هذه المناورة السياسية الرخيصة ناجحة. لم يتمكن نتنياهو من الحصول على أغلبية في الانتخابات الوطنية بعد أسبوعين، واضطر إلى المشاركة في حملة انتخابية ثانية في الخريف، والتي فشل فيها في تحقيق الأغلبية مرة أخرى. لكن قرار ترامب المفاجئ ستكون له تداعيات دائمة، حيث سيقوض اتفاقية فض الاشتباك، ويعطي بوتين مبرراً لضمه غير الشرعي لشبه جزيرة القرم، ويعزز العزلة الدبلوماسية الأميركية والإسرائيلية. والنتيجة هي أن طهران أصبحت الآن حرة في ترسيخ وجود ميليشياتها على الجانب السوري من الحدود -بمباركة من دمشق، بعد أن لم تعد مقيدة بالتزام مكافحة الإرهاب الذي كان قد قطعه حافظ الأسد على نفسه لكسينغر كل تلك العقود الماضية. ومن المؤكد بما يكفي أن إسرائيل وجدت، بحلول تموز (يوليو) من هذا العام، أنه من الضروري قصف مواقع حزب الله في مرتفعات الجولان؛ حيث تُركت مع خيار العنف وحده كأداة وحيدة لمنع إيران من إلحاق أي أذى بها هناك. (يُتبع)

*مارتن شون إنديك: دبلوماسي ومحلل للعلاقات الخارجية ذو خبرة كبيرة في شؤون الشرق الأوسط. بالإضافة إلى خدمته في الحقل الأكاديمي وكمستشار للإدارات السياسية، كان زميلاً متميزاً في الدبلوماسية الدولية ونائباً للرئيس التنفيذي في معهد بروكينغز في واشنطن العاصمة في الفترة 2001-2018. أخذ إجازة من معهد بروكينغز للعمل كمبعوث خاص للولايات المتحدة للمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية من 2013 إلى 2014. وهو حاليا زميل متميز في مجلس العلاقات الخارجية.
عمل إنديك مرتين سفيراً للولايات المتحدة في إسرائيل، وعمل أيضاً مساعداً لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى خلال إدارة كلينتون. يعرف باسم واضع أطر سياسة الاحتواء المزدوج للولايات المتحدة في تلك الفترة، والتي سعت إلى “احتواء” العراق وإيران. وكان يُنظر إلى هاتين الدولتين باعتبارهما أكثر الخصوم الاستراتيجيين أهمية في ذلك الوقت. وهو مؤلف كتاب “بريء في الخارج: سرد حميم لدبلوماسية صنع السلام الأميركية في الشرق الأوسط”. (2014).
*نشر هذا التحليل تحت عنوان: Disaster in the Desert: Why Trump’s Middle East Plan Can’t Work

[email protected]

الرئيس ترامب يعترف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان السورية في آذار (مارس) 2019 – (أرشيفية)

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock