أفكار ومواقف

كاسة قصب سكر ورغيف شاورما

في أواخر أيام وجود السفير الأميركي السابق في عمان ستيوارت جونز، اصطحبه عمدة عاصمتنا عقل بلتاجي، في جولة خاصة على وسط البلد، تناولا خلالها عصير قصب السكر، وأكلا الكنافة النابلسية.
طبعا الجولة العمانية كانت وداعية للسفير الأميركي، الذي يترك عمان ليتوجه لموقع عمل آخر في بغداد، فيما كانت للسفير ذاته جولات أخرى، بخلاف زيارته وسط البلد، فقد شارك في إحدى المرات بدبكة أردنية، وزار قرى بعيدة، وعقد اجتماعات مع شخصيات اجتماعية.
قبل أشهر، كانت تحركات سفير الولايات المتحدة الأميركية في عمان تثير الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، وباتت أخبار زياراته، وتصرفاته، مادة دسمة لهم للتعليق، والاستغراب أحيانا، حتى إنّ أحزابا سياسية شاركت في نقد تحركات السفير، واعتبرتها “غير مألوفة في الأعراف الدبلوماسية”.
في القريب، انتهت مهمة السفير جونز في عمان، وخلفته السفيرة الجديدة أليس ويلز، فما كان منها، بعد أيام قليلة من تسلمها مهامها، إلا أن سارت على النهج ذاته لسلفها جونز، وتوجهت إلى شوارع العاصمة، ووقفت على باب أحد مطاعم الشاورما، واشترت “ساندويشة شاورما” وتبادلت أطراف الحديث مع الموجودين.
طبعا السفارة الأميركية، حرصت على نشر صورة زيارة جونز الوداعية لوسط البلد، برفقة أمينها، كما حرصت على  نشر صورة السيدة أليس، وهي تنتظر في طابور الدور لشراء الشاورما.
عمليا، وبحسب ما يظهر، فان أي سفير أميركي جديد يحضر لبلدنا، يحرص على مد جسور علاقة، ليس مع الحكومة فحسب، بل مع فئات المجتمع المختلفة، ويجهد للانغماس بمكونات الشعب وبالعادات والتقاليد، معتبرا أن ذلك من شأنه ملامسة ما يفكر به الناس في بلادنا، وتقديم صورة مختلفة عن الولايات المتحدة في الأردن والدول العربية.
سفراء بلاد العم السام يحضرون عندنا، وفي خلفيتهم قناعة راسخة، أثبتتها استطلاعات الرأي، التي يشرفون عليها، ومفادها أن الشعوب تكره سياسة إدارتهم، فقد كشفت دراسة ليست ببعيدة، أجراها مركز “بيو” للأبحاث حول الشعوب الأكثر حبا، او كراهية للولايات المتحدة، ونشرها موقع “جلوبال بوست” الإخباري، أن معاداة أميركا تظهر بشكل قوي في الشرق الأوسط، عنها في العديد من البلدان الأوروبية ومعظم الدول الآسيوية.
وقد أظهرت الدراسة أن أكثر الشعوب كرها للولايات المتحدة تراتبيا، هي شعوب مصر، الأردن، تركيا، روسيا،  وفلسطين، بينما كشفت الدراسة أن اكثر خمسة شعوب تحب الولايات المتحدة تراتبيا، هي شعوب الفلبين، الكيان الصهيوني، كوريا الجنوبية، كينيا، والسلفادور.
الدراسة عينها كشفت ان ما نسبته 85 % من الأردنيين لا يحبون الولايات المتحدة، مع ملاحظة ان النسبة وصلت العام 2003، إبان الغزو الاميركي للعراق، إلى 99 % بحسب الدراسة ذاتها، وقد أظهرت دراسة بعيدة عن وقتنا الحالي بعامين، ونشرتها شبكة “سي. إن. إن”، أن مسحا للرأي العام، أجراه معهد “بيو” ذاته، أظهر أن المشاعر المناهضة للولايات المتحدة في 44 دولة في تزايد مستمر.
عمليا، النتائج ليست بغريبة إطلاقا، وإنما تشكل واقعا حقيقيا، ترفض الإدارة الأميركية الاعتراف به، ويعتقد سفراؤها أن تحسين صورة بلادهم، تتم من خلال مد جسور المودة، والعلاقة مع أطياف المجتمع الاردني، متناسين سياسة إدارتهم المنحازة، وخاصة فيما يتعلق بالقضايا العربية، فالشعوب العربية، ومنها الأردني على وجه الخصوص، تحمل على السياسة الأميركية بالشرق الأوسط عبر السنين، وخاصة فيما يتعلق بدعمها لآلة الحرب الصهيونية، وسكوتها عن جرائم إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني الأعزل، كما أن موقف الإدارة الأميركية في العراق، واحتلاله العام 2003، كان له تأثير سلبي كبير.
السفراء الأميركيون عندنا، يتبعون الطريق الخطأ، لتحسين صورة إدارتهم، فذلك لا يأتي من خلال كاسة عصير، ولا المشاركة بدبكة شعبية، أو أكل الشاورما، وإنما من خلال تغيير السياسة الأميركية تجاه ما يحصل في المنطقة، والعودة عن المواقف المنحازة كليا للصهاينة، واتخاذ أخرى متزنة، تصب في صالح الحق والشرعية الدولية.. لا أكثر.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. لعل خطوات السفيرة تقود الى ما هو اعمق
    دعوت مع صحفيين عرب الى زيارة واشنطن وعدة ولايات ضمن برنامج الزائر الدولي قبل تفجير ابراج نيويورك التي ادت الى ترك بعض الاقارب عملهم هناك والمغادرة بعد تعرضهم لاستفزاز خشوا منه على حياتهم.
    الزيارة كانت سلسة ومرتبة بعناية شارك بها ايضا عرب يحملون الجنسية الامريكية.
    التقينا مع امريكيين استمعوا الينا في مؤساساتهم الخاصة والرسمية.
    واستقبلتنا عائلات امريكية طيبة ودودة تحدثنا لها في منازلها عن احوال اوطاننا.
    كذلك كنا على راس محاضرة في احدى الجامعات ولم اشاهد مثل هذا التفاعل خلال حياتي الجامعية حيث تجري المحاضرات بدون وجود اي ضيف وتتم دائما بدخول الدكتور وخروجه كزيارة طبيب عام.
    من طرفي اجبت على سؤال لطالبة جميلة جدا قالت انها يهودية ووجهت سؤالها للضيف من الاردن .. واوضحت اننا وجدنا اثناء الزيارة شعبا طيبا داخل الولايات ردا على سؤالها.ولكن السياسة الخارجية تنحاز الى اسرائيل التي قامت على انقاض شعب سرقت ارضه وقتلت وشردت وو.. قائمة طويلة من التنكيل بشعب بريء.
    كيف لي ان افهم وانا منذ ان وعيت على الدنيا عايشت الشعب النازح المشرد وقد كان له ذات يوم وطن فجاء من اخرجه بقوة السلاح واخذ مكانه بمساعدة اجانب ايضا لم ينظروا الى وضعه بعين العطف.؟
    اسكن على اطراف مخيم للاجئين وعندما ادخله ارى الاوضاع الصعبة التي يعيشونها وما هو موقفي كشقيق عربي من اخيه الذي تعرض للنكبة.
    لعل احتكاك السفيرة مع الناس يقودها مستقبلا لمعرفة ما هو اعمق من تناول الشاورما او المنسف ويجيب على الاسئلة التي يتم طرحها

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock