أتأخّر في النظر إلى المرآة بعد النهوض من النوم. قد أشاهدُ حلقة إسبانيّة مشوّقة على نتفليكس، بعد أن أعدّ قهوة عصريّة بحليب قليل الدسم، وأتصفّح بين المشاهد منزوعة الإثارة عناوين قصيرة على تويتر، وقد أتذكّر الواجب العاطفيّ الذي يقتضي أنْ أرسل صباحاً بالسكّر إلى امرأة، أو امرأتين. تنتهي الحلقة عند مشهد مبتورٍ أستكمله تحت الدشّ الساخن، وبعد ساعة ونصف الساعة أنظر في المرآة.. وقبل عشر صباحات اكتشفتُ أنّ الشيبَ تناقص في لحيتي، وابتسامتي لم تعد محرجة، فالضرس المحشوّ عاد إلى حالته الأولى، وتجاعيد أول الأربعين اقتصرت على البكاء.
في الصباح التالي؛ أي قبل تسعة أيام، أنهيتُ الحلقة الإسبانية قبل الذروة، وأديتُ الواجب العاطفيّ لامرأة واحدة، واختصرتُ جولة تويتر قبل اكتمال التغريدة، وبعد ساعة واحدة فقط، نظرت إلى المرآة، كان اللون الأسود قد طغى على لحيتي، وبقيت عشرات الشعيرات البيضاء العصيّة التي اكتسبتها منتصف العشرين في “حبّ مجوسيٍّ”. بالطبع زال أيّ أثر للتجاعيد سواء في الضحك أو في البكاء، وأصبحتُ أقرب إلى الهيئة التي كنتها في منتصف الثلاثين، بهالات سوداء أسفل العين، وأصابع مجروحة، وكآبة موسميّة تغطي ثلاثة مواسم، وقلق راكب القطار لأول مرة على هرولة خمس سنوات نحو الستين.
في كلّ صباح ستتقلّص مساحة الأبيض في شعري، وسأمشي بخطوات خفيفة من دون لهاث جاف، وأشرب القهوة مع حليب كامل الدسم. سأهدرُ وقتاً يكفي لكتابة رواية في سماع أغنية واحدة، تتكرّر مثل العطب في المسجلة. استرجعتُ الطيش أمام كليّة الاقتصاد، واستدرجتُ طالبة اللغات الحيّة إلى بيت شعر أموي. عدتُ للقيادة بتهور في الشارع المكتظِّ بالإشارات الحمراء، وتجاوزت السيارات من جهة اليمين، كانت هناك مظاهرة حماسيّة للمطالبة بالخبز الحاف، انضممتُ إليها، كنتُ في الصف الأول بمواجهة الهراوات. أنا الآن إذن في الثالثة والعشرين.. حين كنتُ أظنُّ أنّ الحريّة أن أكسر الهراوة، وأستغفل رئيس التحرير، وأخفقَ في الحبّ.
لا أدري على وجه الدقة كم عاد بي الزمن، لكني الآن خال من الكولسترول، ومن أمراض الجيل الخلويّ الرابع، ولا أعرف عن السرطان سوى أنّه برج من ماء للذين “إذا عشقوا ماتوا”. لديّ رصيد معقول من الحجج لأتغيّب عن درس التلاوة في الحصة السادسة من يوم الاثنين الكئيب، والمشي بمحاذاة سكة الحجاز حتى سينما النصر، وفي جيبي نقود معدنيّة تكفي لمشاهدة العرض الأول لفيلم “اللعب مع الكبار”، وشراء جريدة الدستور لقراءة مقالة “خيري منصور” مع شاي عراقيّ حُلوٍ في وسط البلد.. حين كان للبلد وسط!
أنا الآن أبيض مثل رداء الممرّضة في مستشفى “الحاووز”، ومثل ورق الصحف في الفجر. لم أستدلّ بعد على كآبة بدر شاكر السيّاب، ولديّ خيار حرّ بأن أتجنّب قصيدة التفعيلة، وأهتمّ بدراسة الهندسة الزراعية أو طبّ الأسنان، إذا اخترتُ المسارَ العلميّ، واعتذرتُ لمحمود درويش عما “لم” أفعل. أبيض تماماً، لا لحية نصف سوداء في وجهي، أضحك أو أبكي بلا حرج، ويمكنني أن أبدأ من جديد على “مية بيضا”، ولستُ غبياً لأكرّر الأخطاء التي ارتكبتها منذ ربع قرن ناقص.. سأجرّبُ أخطاء أخرى!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock