آخر الأخبار حياتناحياتنا

“كاميرا الفضوليين”.. تلاحق “مآسي” الناس سعيا وراء “اللايكات” والتعليقات

ديمة محبوبة

عمان- لم تنس رجاء عبدالله حينما كانت في رحلة برفقة زوجها وأولادها، وتعرضوا جميعا لحادث سير نجوا منه بأعجوبة كبيرة، خصوصا وأن السيارة اختفت ملامحها تماما من شدة الاصطدام.
حينما حاولت الخروج وعائلتها من السيارة، لم تنس المنظر الذي شاهدته، كاميرات تحيط بهم يمينا وشمالا لتصور الحادث بكل تفاصيله.
ذلك الموقف شكل صدمة كبيرة لها، وهي ترى شغف الناس بالتصوير أكثر من محاولتهم المساعدة أو الإنقاذ، لم تكن تتوقع أن السعي وراء عدد “اللايكات”، والتعليقات، وأكبر نسبة من المشاركة، سيكون همّ الكثيرين.
خرجت من الحادث مصدومة من تغيرات طرأت على أناس يستبيحون خصوصية الآخرين، و”يستلذون” بما يصيبهم، وحمدت الله كثيرا على “قلة” ممن كانوا بالمكان واستطاعوا إنقاذ من في المركبة لحين وصول الدفاع المدني.
في زمن السوشال ميديا، بات أي فرد يعتبر ذاته مراسلا من قلب الحدث يصور ما يقع أمام عينيه ليبثه على صفحاته، باحثا عن أكبر كم من المشاهدات و”اللايكات”، وإن كان بمنأى عن “الإنسانية والأخلاق”!
وتستذكر ختام، وهو اسم مستعار، التي عانت من حادث سير على طريق العقبة؛ حيث كانت هي وعائلتها، زوجها وأطفالها الثلاثة في السيارة بعد أن تنزهوا، وقضوا ثلاثة أيام عطلة معاً.
وفي طريق العودة إلى المنزل في عمان تعرضوا لحادث سير عنيف لم تعرف تفاصيله؛ حيث فقدت الوعي فورا، ولم تعرف ما حدث مع عائلتها إلا عندما استيقظت، ووجدت نفسها على سرير المستشفى تعاني من رضوض وكسور في مختلف أنحاء الجسد.
وتكمل “كنت شديدة التوتر أريد أن أطمئن على عائلتي.. على أطفالي، ولم أجد من يطفئ هذه النار حتى أفراد عائلتي وإخوتي، كونهم لم يفضلوا إبلاغي بأن حالتهم صعبة للغاية، وأنهم بين الحياة والموت”.
وبعد ثلاثة أيام من قضائها في المستشفى، استطاعت الحصول على هاتفها النقال، وتصفحت “فيسبوك” الخاص بها، لتجد صورا عن الحادث المروع، الذي يدل على حجم الضرر الذي لحق بأطفالها.
تقول “ما شاهدته جعلني أفكر بحجم الألم الذي تعرض له أطفالي.. تلك الصور لا يمكن أن تنسى.. فقد حفرت في ذاكرة الألم”.
وتناشد ختام الجميع بعدم التطفل على مصائب الآخرين، مؤكدة أن الشخص لا ينسى من يحبهم، لكن الحياة تأخذه وتلهيه عن أحزانه، أما تلك الصور والفيديوهات وتعليقات الناس عليها فتجعل الصدمة والمصيبة وضررهما أكثر بكثير، وتترك الجرح عميقا لا يلتئم.
واتفق خبراء الاجتماع والتربية والنفس، على أن الفضول عند الكثير من الناس جعلهم يتهاونون في انتهاك الحرمات والخصوصيات والتطفل على مصائب الناس، وعدم مراعاة مشاعرهم.
الأخصائي النفسي د. موسى مطارنة، بين أن المتطفل وهاوي جمع الصور و”اللايكات” والمشاهدات على صفحاته لا يوصف إلا بـ”فاقد الإحساس”، لأنه لا يرى جرح غيره ومدى تأثير فعلته على الآخرين، يتهافت لالتقاط صور بعيدا عن الإنسانية فقط لأجل الشهرة، فهو بالتأكيد عليه أن يراجع ذاته وتفكيره وما هي المسؤوليات المترتبة عليه كإنسان.
ويؤكد أن رؤية مصائب الآخرين وتداول الصور والفيديوهات يزيدان من آلام المتضرر وينتهكان خصوصياته.
ختام تعود لتؤكد أنها لو عرفت من قام بتصوير الحادث وعمل على نشره كانت ستقوم بمقاضاته قانونيا، مبينة أن النار التي في قلبها لا يمكن إخمادها.
وترى أنه يتوجب أن يكون هناك قانون يرصد ويعاقب كل من يقوم بهذا الفعل اللاإنساني، كما وصفته.
اختصاصي علم الاجتماع د. محمد جريبيع، يؤكد أن تصوير الحوادث والأحداث العامة بات أمرا اعتياديا بين الناس من دون اعتبار للجانب الإنساني والخصوصية، رغم أن هذا السلوك ينتهك حريات وخصوصية الآخرين، خصوصا في الظروف الصعبة، وبعيدا عن مشاعر الأهالي أو المكلومين.
ويؤكد جريبيع أن الكثيرين ممن لديهم فضول تعقب الحوادث وتصويرها يعبرون عن سلوك لا فائدة منه حتى أنه معيق في الكثير من الأحيان لعمل الجهات الأمنية أو المعنية.
وفي حال تم تصوير هذه الحوادث، فالأصل اتباع خصوصية الإنسان واحترام حقه، كما تفعل العديد من وسائل الإعلام التي يصفها جريبيع بالوسائل المهنية والموضوعية والتي تبتعد عن الشهرة على حساب الآخرين.
في حين تؤكد العشرينية سناء أن الوسائل الاجتماعية والتهافت عليها جعلا الناس يحيدون عن الفعل الإنساني، فبدلا من تصوير المتوفين أو المصابين أو الحوادث، الأجدر هو مساعدة وإسعاف من يحتاج لذلك، لكن اليوم الصورة أهم بنظر الكثيرين.
ويبين التربوي د. محمد أبو السعود، أن التربية أساس كل شيء، فمن تربى على عدم انتهاك الخصوصيات، وحق الإنسان بأن يعيش كريما ويموت كريما ستبقى هذه الخصال معه، وستكون أساس تعامله مع الآخرين.
ويؤكد أن الحياة تغير الشخص، ويمكن للتكنولوجيا أن تغير الفرد، لكن من تأسس على خلق وتربية وعرف ما هي حقوقه وما هي حقوق الآخرين لا يمكن أن يؤثر عليه شيء.
ويستذكر أن أفضل طرق التربية هي تعليم الطفل بأن يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه، وبهذه الحالة يكون أساس التعامل أيضا احترام الآخر وأن يحب لأخيه ما يحبه لنفسه.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock