آخر الأخبار حياتناحياتنا

كبار السن.. حينما يعيشون الحياة باحثين عن الأمل والاستمتاع

ربى الرياحي

عمان– لأن الشباب هو شباب الروح؛ لا يتوانى كبار بالسن عن البحث عن محطات الفرح والاستمتاع، واستغلال كل لحظة من أعمارهم الباقية بشيء يحبونه ويشكل لهم محطة سعادة وبهجة.
لحظات ممتعة يبحثون عنها، هاربين من متاعب وهموم أرقتهم وأشعرتهم بالضيق لفترات طويلة، هم وبعد انقضاء تلك السنوات التي كانت شاهدة على طموحاتهم وأمانيهم، يعيشون اليوم حياة هادئة، لكنهم في الوقت نفسه يرفضون الانزواء والاستسلام للعزلة والوحدة ولمخاوف قد تجعلهم أسرى للحزن.
ولأن العطاء لم يتوقف لديها، فإن سعاد عبد الرحمن (71 عاما) تجتمع هي وصديقاتها من العمر ذاته في إحدى الجمعيات النسائية المعنية بالعديد من النشاطات؛ إذ يقمن بالتخطيط لجدول أعمال يساعد العديد من النساء ويمكنهن اقتصاديا واجتماعيا.
سعاد كانت تعمل معلمة لأكثر من 35 عاما، بقيت على تواصل مع صديقاتها ممن عملن معها بالمهنة ذاتها، وممن ما تزال صحتهن تمكنهن من المشاركة، مبينة أن ما تقوم به جعلها تشعر بأن حياتها لم تتوقف بل بإمكانها مواصلة الإنجاز وتحقيق كل ما كانت تحلم به.
وتستغرب سعاد من سيدات استسلمن لواقعهن، وأصبحن أسيرات لجدران البيوت، مما ضاعف من أمراضهن الجسدية وأوجاعهن النفسية، خصوصا عندما يكبر الأبناء وينشغلون بحياتهم، لافتة إلى أن الإنسان وحتى آخر يوم بعمره باستطاعته أن يكون فعالا ومنتجا.
وهنا تأتي مسؤولية الأبناء بالترويح عن الآباء عند الكبر، واحتوائهم والاهتمام بهم، وتقديم الحب والحنان لهم والبحث عن طرق تجلب لهم السعادة، وتشغلهم عن التفكير بكل ما هو سلبي ومؤلم.
الوحدة والمرض والإهمال كانت أكثر ما يخيف السبعيني أبو محمود الذي أمضى عمره كله في تربية أبنائه الأربعة. يقول “إن الحياة تتغير وما يبقى هو الخير الذي نزرعه في نفوس أبنائنا، فهم ثمرة جهد طويل وسنوات مرت بحلوها ومرها”.
ويضيف “صحيح أن الحياة قد تشغلهم وتبعدهم قليلا، لكن بالرغم من ذلك يظلون مدينين لنا يحاولون جاهدين إسعادنا والبقاء إلى جانبنا في كل الظروف ومهما تعاظمت مسؤولياتهم”.
أبو محمود يتحدث عن أبنائه الذين يواظبون على زيارته وتلبية احتياجاته، كما أنهم والجلوس معه والبوح إليه بكل تفاصيلهم، مصرون بذلك على إبقائه في قائمة أولوياتهم.
ويبين أن حب أبنائه الكبير له وإحساسهم بأنه قدم لهم الكثير وضحى براحته من أجل أن يراهم في أهم المناصب سببان يجعلانهم في بحث دائم عن مشاريع وبرامج ترفيهية يستطيع من خلالها مواصلة عطائه في الحياة لأنه ما يزال قادرا على خدمة مجتمعه. تمتعه بصحة جيدة، ساعده كثيرا على ممارسة الرياضة المناسبة وحضور الكثير من الندوات الثقافية، كذلك الاشتراك في جمعيات خيرية واجتماعية بقصد البقاء على تواصل مع الناس والعمل على حل مشكلاتهم.
قدرته على التفاؤل والأمل والرغبة في العطاء تتضاعف رغم مرور السنوات؛ إذ يعيش واقعه ويستمتع به مستندا على بعض التفاصيل التي من شأنها أن تجد له حياة فيها الكثير من الحب والطيبة والدفء.
أم حسان (73 عاما) تصر على الاحتفاظ بروح الشباب رغم تقدم العمر بها، فترى أن العمر هو مجرد رقم لا يعنيها بقدر ما يعنيها أن تبقى في كامل نشاطها وحيويتها، موضحة أن قرارها بأن تعيش الحياة بسعادة جعلها أقدر على أن تمد محبيها وكل من عرفها بالأمل ونشر الحب في كل مكان.
استطاعت بقلبها الذي لا يعرف اليأس أو الحزن، أن تكون قريبة من أبنائها وأحفادها وجيرانها وأقاربها؛ إذ لا تشعر أبدا بالفراغ، ووقتها دائما مزدحم بالمواعيد واللقاءات.
إصرارها على أن تجمع كل من تحبهم في بيتها، أبعد عنها شبح الوحدة وهواجس الألم والغربة، فهي تتابع أنشطة إنسانية وأخرى اجتماعية تقوم بها برفقة صديقتها تزيد من إيجابيتها وحبها للحياة، بالإضافة إلى حرصها الكبير على قراءة الكتب والمشاركة في تحليلها، مستمتعة بذلك بكل دقيقة ومتمسكة بكل ما من شأنه أن ينفعها ويبقيها في قلب الحياة. كما أنها تحب كثيرا حضور المناسبات الاجتماعية كالأعراس والالتقاء بأشخاص لم ترهم منذ زمن طويل واستعادة ذكرياتهم معا، مؤكدة أن هناك لحظات جميلة لا تتكرر “علينا أن نستمتع بها لنظل محملين بالتفاؤل صابرين على المصاعب”.
أم خالد هي أيضا لم تسمح لتجاعيد الزمان المحفورة على وجهها أن تحرمها من أن تستمتع بالحياة ولم توافق على أن تعيش تلك العزلة القاسية، وترتكن للهموم والأمراض، بل على العكس أبت إلا أن تجد لنفسها تفاصيل تعيشها تشعرها بأنها ما تزال تستحق الحياة.
وتقول إن سعادتها الكبيرة تتلخص في لمة أبنائها وأحفادها حولها والتحدث معهم عن اهتماماتهم وأحلامهم وحتى عن همومهم، وتلك المخاوف التي تراودهم بين الحين والآخر.
وتضيف أن قربهم منها والسؤال الدائم عن أحوالها ومشاركتهم لها أغلب أنشطتها كلها أمور تقويها وتبث الطمأنينة في قلبها كما تمنحها الثقة بأنه ما يزال هناك من يحتاجها ويعنيه جدا وجودها.
وتبين أن أجمل اللحظات هي تلك التي تجلس فيها إلى أبنائها وأحفادها تسرد لهم ذكرياتها وأسرارا لم يعرفوها من قبل تارة تضحكهم وتارة أخرى تحزنهم. ويرى الأخصائي النفسي د. موسى مطارنة أنه يجب أن يكون لكبير السن مخطط لحياته، ولا يجوز أن يبقى في بالبيت بدون ممارسة عمل، بل يجب أن يمارس أنشطة كأندية المسنين أو الجمعيات التطوعية والمشاركة في أنشطة مجتمعية وممارسة الرياضة عن طريق خطة إما يضعها هو أو أحد أفراد أسرته. ويؤكد أنه يمكن لكبار السن القيام بالكثير لمجتعمهم في المجال الذي يرونه مناسبا، لافتا إلى أهمية تشجيعهم ومساعدتهم، وأن يتم تهيئة الفرص للقيام بذلك حتى لا تتأثر نفسيتهم سلبا، وبالتالي شعورهم بالاكتئاب والإحساس بتخلي الآخرين عنهم.
لذلك، ينبغي أن يكونوا على اتصال دائم بالمجتمع، وإحاطتهم دائما بالرعاية والاهتمام والتقدير.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock