آخر الأخبار حياتناحياتنا

كبار السن.. قلوب معطاءة تبحث عن الحب والاهتمام

ربى الرياحي

عمان– ما بين ذكرياتها وساعات الانتظار الطويلة، تعيش السبعينية أم سامي يومها راضية، لكنها لا تنكر أن أوقات الفراغ الطويلة، تجعلها أسيرة لتفاصيل كثيرة، كأنها تذكرها بأن دورها شارف على الانتهاء، وأنها باتت سجينة تلك الجدران الباردة القاسية.
مخاوف بدأت تستوطن روحها المحبة الحانية، فهي وبعد زواج أبنائها الستة ومغادرتهم البيت الذي احتضن ضحكاتهم ودموعهم ومشاكساتهم، تخشى أن تصبح على الهامش بالنسبة لهم.
تقول إن احتياجها الدائم للحب والاهتمام ولأن تظل حاضرة بكل مشاعرها يدفعها لاستغلال تلك المناسبات التي تجمعها بمن تحب محاولة تقريب المسافات، والشعور بدفء أبنائها ثانية، وبمحبتهم الكبيرة لها وبأنها ما تزال تشغل جزءا من تفاصيلهم اليومية، كحضن دافئ يطبب أوجاعهم ويحتوي أفراحهم وأسرارهم.
حبها غير المشروط لأبنائها يجعلها دائما تختلق لهم الأعذار والمبررات، ويمنعها من لومهم ومحاسبتهم على تقصيرهم الذي قد يكون رغما عنهم بسبب مشاغل الحياة.
آباء وأمهات، أحنت ظهورهم متاعب الحياة، لكنهم ما يزالون قادرين على الحب واستشعار الأمل بقلوب تفيض عطاء وتبحث عن الفرح. هذه القلوب بالذات، تقدر قيمة الأشياء وتدرك أن لحظات الفرح حتى وإن كانت قليلة وعابرة، إلا أنها تستحق أن تتسرب إليها بحب وامتنان وسعادة.
الثمانينية أم أيمن التي خسرت زوجها وثلاثا من صديقات العمر، تصر على أن تقضي أغلب وقتها أمام شاشة التلفاز هاربة من قضبان الوحدة التي بدأت مؤخرا تقيدها وتبقيها غريبة ربما عن أبناء متأكدة من حبهم لها، لكن ألهتهم ضغوطات الحياة، وأبعدتهم عنها.
تقول إن جلوسها الطويل لمشاهدة المسلسلات يمنحها إحساسا بالألفة، وإن الحكايات المغيبة عنها في الواقع تستطيع أن تعيشها أمام شاشتها الصغيرة وأن تتشارك مع شخوصها الفرح والحزن الحب والكره، متفاعلة مع تلك المواقف التي تبعدها قليلا عن أفكار تخيفها وترهقها. وتوضح أن أكثر ما يؤلمها ويقلق سكينتها أنها لم تعد أولوية بالنسبة لأولادها الذين يزورونها كنوع من الواجب فقط.
ماهر حسين شاب يستنكر قسوة بعض الأبناء والاستهتار باحتياج الآباء للاهتمام. يقول إن حبه الشديد لوالديه ورغبته الكبيرة في إمضاء أطول وقت ممكن بصحبتهما، من الأسباب التي تدفعه لإلغاء الكثير من مشاريعه الخاصة ومخططاته اليومية.
ويضيف أن سعادة والديه وإحساسهما بمحبته وقربه منهما تختزل الكثير من المشاعر التي تجعله راضيا عن نفسه مطمئنا يدرك جيدا احتياجاتهما النفسية والجسدية، مبينا أنه يحرص باستمرار على زيارتهما والتحدث معهما عن همومه وأحلامه وخططه المستقبلية، بالإضافة إلى أنه يصر على إشراكهما بكل المستجدات والأخبار لتجنيبهما رتابة الحياة اليومية، كما أنه يلمس في نبراتهما الحنونة ملامح الفرح والامتنان.
وبعيدا عن أي ذرائع واهية تبرر التقصير، هو يريد أن يكون ابنا بارا بوالديه قريبا من أوجاعهما وهمومهما أنيسا لوحدتهما مستمعا جيدا لأحاديثهما المسلية والحاضنة لذكريات قديمة ستبقى وفية لهما ولتلك التجاعيد التي خطها الزمان على وجوههما الطيبة المحبة.
الأخصائي النفسي الدكتور موسى مطارنة، يذهب إلى أن كبار السن يشعرون أحيانا بالوحدة، بعد أن كان يحيط بهم الكثيرون، ذلك يشعرهم بفقدان لذة الحياة، وهنا تكمن مسؤولية الأبناء، لافتا إلى أن كبير السن عندما يجد نفسه بمفرده، يشعر بالوحدة والخوف وفقدان معنى الحياة.
ولذلك لا بد من التواجد المستمر معهم، ومشاركة أحفادهم الأحاديث واللعب حتى لا تصيبهم حالة من عدم الاستقرار النفسي ويشعروا بفقدان الأمل بالحياة.
ويرى الأخصائي الاجتماعي مفيد سرحان، أن احتياج كبار السن للاهتمام والحب والاحترام أمر في غاية الأهمية، ويجب على الأبناء التركيز عليه ومراعاة نفسيتهم وأنهم ما يزالون رغم تقدمهم بالسن قادرين على العطاء، وتقدير تلك الأوقات التي تمنحهم الثقة بأن أبناءهم ما يزالون يحتاجون لمشورتهم ومساندتهم.
ويبين أن قرب الأبناء من آبائهم والإنصات لهم دائما يشعرهم بقيمتهم ويبعدهم حتما عن بعض المخاوف التي تستوطن دواخلهم في حال أرغموا على الاستسلام للوحدة والانطواء والقلق.
ويذهب إلى أن التربية هي الأساس، لذا لا بد للآباء من تعويد الأبناء على احترام الكبير والعطف على الصغير، محاولين بذلك غرس المبادئ الصحيحة في نفوسهم لما لذلك من أثر في مبادلتهم الحب والحنان والدفء، كما أن ذلك يجعلهم يتشاركون معهم كل اللحظات بحلوها ومرها ويكونون بارين بهم مقدرين لتضحياتهم.
ويؤكد سرحان أن زيارتهم باستمرار والاطمئنان على أحوالهم واصطحابهم للأماكن العامة بقصد الترفيه أو حتى زيارة الأقارب والأصدقاء، كلها أشكال تعمق التواصل وتجنبهم قسوة الروتين اليومي وتجدد انتماءهم للحياة ليكونوا أكثر سعادة وامتنانا.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock