ثقافة

“كتاب الليل والنهار” لصلاح بوسريف قصبة ناي تجترح موسيقا الأعماق

الدوحة- يقدم كتاب “زرقة الشعر- من أنا وما أكون” سيرة شعرية ثقافية للشاعر والناقد المغربي صلاح بوسريف، ويتناول فيه الشاعر سيرته – لا بمعنى الحديث عن حياته أو بعض منها كما يفعل الشعراء والكتاب- وإنما سيرة نظرية جمالية يكون فيها الشعر هو موضوع الذات.
ولبوسريف أعمال شعرية ونقدية عديدة، كان آخرها عمله الشعري الصادر عن “خطوط وظلال” للنشر والتوزيع بالعاصمة الأردنية عمان، الذي حلق فيه، مع قارئه في سفر شعري مركب وكثيف، حيث “الطرق كلها غرق” و”كل حرف فتق”، و”الكلمات أشرعة” ومراكب تحملنا بعيدا عن “الشفير الملتبس بالنصل”، وبما يضعنا في مفترق الهاوية، في فراغاتها المهولة.
في مفترقات الشعر، يسعى بوسريف أن يحررنا من غموض “أوزارنا”، مجترحا ضوءا في الأفق المكسور، ليروي يباب أرواحنا الهشة، المتصدعة، بمعزوفات ناي محمولة قصباته على مجاري نهر جارفة، حيث الروح تغني للروح وتبكيها، أو ترثيها في الآن نفسه.
يستنهض الشاعر، في هذا العمل الشعري، الأنفس النائمة في ضلالها، التي ابتعدت عن السلام الذي ينبغي أن يحف دواخلها الجريحة والمكسورة، في سياق كتابة ملحمية تشكل إضافة لسفر الملاحم الشعرية التي كتبها الأسلاف في بحثهم عن عشبة الخلاص وقارب النجاة، أو عن الوجود الآخر الذي يضاهي هذا الوجود.
ومع يقينه أن “المطهر” درب عصي على الاجتياز، فإن بوسريف يتصدى لمأساتنا التي لا ندركها أو نتعامى عن إدراكها، ونسعى لتجاهلها، كحدث يجري في وجودنا، دافعا إيانا بشعر عذب مُكاشِف ومحرض، لنعيد، ثانية، بناء قلاع أنفسنا المتهاوية التي توشك على الإمحاء: خبثت الأرض. أسن ماؤها. ما عدنا نرى فيها ما تركناه خلفنا من خز وسندس وديباج.
وبين الشدة واللين، يربت على كتف أثخنها وزر أعبائها: لا تيأس.. تصد لخساراتك.. بجسارة مقاتل أدرك أن سيفه فل.. لكن القتال في عرفه حياة.
ولنواجه احتراقنا بنار الشهوة والكراهية، يحرض بوسريف على التفلت من قبضة اليأس وغياهب الظلمة. وفي حين تتأرجح الرحلة فوق جسر الفراغ المريب، يعذب بوسريف ذواتنا المغمورة بوحل الخطيئة “نيابة عن غرقى هاوية الجحيم”، على حد تعبيره.
وتتسع دائرة الشظف والضيق بكائن أعزل، أنهكته ترحلاته، فصار ثوبه خشنا يكاد يتمزق إذا هبت الريح، بينما العدم يقترب من روح لطالما تمردت وجمحت، قبل أن تصير منهارة كلية تحت وطأة المكائد والخيبات.
ورويدا رويدا، تنغلق كل الطرق ويستبد بالشاعر الهلع ليجد نفسه في حالة استلاب يتلمس طينه بيدين عاجزتين عن التلويح في زحام السفن والقوارب العابرة.
يقول الشاعر: “انتحيت منطويا على نفسي. تكفيني عزلتي في أن أستمد قوتي من ضعفي، وشدتي من طيشي”.
وفي مفترق انشقاق الضوء عن الظلمة، يفضي المآل الفادح، بشاعر ناور طويلا بالكلمات، إلى مياه متجمدة، على حافة البرزخ، حيث سيعلق رأسه هناك، مجهدا، بل قتيلا “سكران لا ألوي على طيفي.. كاهلي مثقل.. أجهدني شجني.. كم أحتاج من الوقت لشجب ما اعتراني من كرب وأذى”.
الأفق.. بحر أم سماء؟
وتتعالق الكتابة مع نصوص مستعادة برؤية صادمة تهدم الكثير مما جاء في الأسفار والملاحم “نذر قايين دمه لأخيه.. الأرض لم تكن وسعتهما.. ذبل الحرث في يد قايين.. لم تعد السنبلة تحتمل قمحها.. النار كبحت الجمر حتى لا يبلغ الخبز قشرته.. ساد جوع كثير في الأرض.. الطرق مسالكها ادلهمت.
وتفتح نصوص هذا الكتاب نافذة الاستلاب والحيرة على مصراعيها، حيث الإنسان يركض ركض الوحوش، أوزاره تكسره وجموح نفسه يسقطه مرارا، ودمه يسقي الأرض “أمنفى ما نحن فيه.. أم أرض قايضناها بأخرى.. هربا من جحيم بدا أنه الأرض.. ما إن استشرى دمنا فيها؟”.
وكان بوسريف افتتح كتابه مقتبسا من الفيلسوف الألماني، صاحب كتاب “الوجود والزمن” مارتن هايدغر العبارة الآتية “ما من أحد يمكن أن ينوب عن الآخر، أو يحمل عنه موته. الموت أساسا هو موتي أنا”، كما يقتبس من الأديب الفرنسي فلوبير “إن روحك سوف تخرج صوب الضوء وتحلق في الأبدية”.
وكأن بوسريف أراد أن يقول لقارئه: “هذا كتاب محفوف بالعتمة والضوء، والشك واليقين، والشعر والدهشة، والحلم واليقظة معا”- (الجزيرة نت)

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock