ثقافة

كتاب يقدم عرضا مبسطا لأهم ما توصلت إليه الدراسات النفسية الحديثة من نتائج في الخجل

عزيزة علي

عمان– “إن الشخص الخجول عادة ما يسلك مسلكا دفاعيا، وينأى بذاته عن مواقف التفاعل الاجتماعي والتواصل مع الآخرين، ويكره أن يعبر عن آرائه وأن يبدي اختلافه مع آراء الآخرين، ويحرص دائما على أن يكون في خلفية الصورة بعيدا عن الآخرين”، هكذا يصف أستاذ علم النفس في جامعة كارديف بالمملكة المتحدة د. راي كروزير مؤلف كتاب “الخجل” الصادر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت ضمن سلسلة عالم المعرفة عدد مارس 2009، وترجمة معتز سيد عبدالله.
 ويُبيِّنُ أنَّ تلك السلوكيات مترتبات سيئة أهمها ما يكونه الآخرون عن الخجول من انطباعات سلبية مثل أنه شخص غير جذاب، وصفاته الشخصية ليست محل تقدير.
وأكد المؤلف في مقدمة كتابه على أنَّ الخجل ليس مجرد وصف أو تعبير عن الحالة النفسية للفرد، بل إن له تأثيرا كبيرا في السلوك الفرد. فربما يأخذ شكل الصمت أو قلة الكلام، ومن ثم عدم قدرة الفرد على المشاركة في محادثة او نقاش مع شخص آخرر أو حتى النظر في عين من يحادثه.
ويبين الكاتب ان الخجول يجد صعوبة في توكيد ذاته، وان يكون موضع انتباه مديرية في العمل مثلا، لذلك يولي علماء النفس قدرا كبيرا من الاهتمام بدراسة صعوبات التفاعل الاجتماعي والمشكلات التي ترتبط بها، وذلك لما للعلاقات الاجتماعية من اهمية شديدة في تأثيرها في الحالة النفسية للفرد، ومن ثم استجاباته لمختلف تلك المواقف.
ويكشف المؤلف أن شخصية الفرد تتشكل من خلال علاقاته الاجتماعية المبكرة بأفراد أسرته، وقدرة الطفل على التواصل مع الأطفال الآخرين، سواء في مواقف اللعب أو في المدرسة، وقدرته على تكوين صداقات، تعد عملية باللغة الاهمية لتوافقه النفسي والاجتماعي.
 أما في مرحلة الرشد، فإن الحياة الملائمة والفعالة للراشد هي تلك التي تقوم على التكامل لكل جوانب عالمه الاجتماعي الواسع والمعقد، التي يشمل اسرته وعمله وصداقاته، وقضاءه وقت فراغه وتفاعلاته الاجتماعية المتعددة بمختلف اشكالها وتباين درجاتها.
ويوضح كروزير أنَّ مصطلح الخجل كمسمى لمثل تلك المشاعر والسلوكيات السلبية، فمن الممكن استخدامه ايضا لتفسيرها الوقوف على معانيها ودلالاتها. فلأن الشخص خجول، فهو لا يجد ما يقوله، ويتردد في تلبية دعوة ما، ويشعر بالتوتر عند وجوده مع آخرين. وهو ما يعني ان الخجل هو سبب تلك المشاعر والسلوكيات السلبية. واحد التفسيرات النفسية الشائعة للخجل اعتباره كاشفا عن الحالة المزاجية للفرد.
ويضيف المؤلف أن الفرد ربما يشعر بالخجل عندما يفكر في أنه سيكون محل ملاحظة الآخرين وتعليقاتهم عندما يغير شكل قصة شعره وشكل ملابسه واسلوب ارتدائه لها. والمرأة تشعر بالخجل، ولا تجد ما تقوله حينما تريد ان تخبر احدى صديقاتها بأنها حامل. اما بالنسبة إلى الاطفال فخجلهم يأخذ عادة شكل الحياء الشديد، والتصرف بتحفظ مبالغ فيه وانعقاد اللسان وعدم انطلاقه في الحديث وبخاصة مع الاكبر سنا.
ويهدف الكتاب، كما قال كروزير إلى عرض وتقييم أهم ما توصلت إليه الدراسات النفسية لموضوع الخجل من نتائج ثم بيان كيفية الاستفادة منها وتوظيفها بالشكل الذي يحقق الفائدة”، مؤكدا أن الخجل، وما يرتبط به من موضوعات، لم يصبح محل الاهتمام المكثف للدراسات النفسية إلا منذ سنوات قليلة. وقد بينت هذه الدراسات ان الفهم الامثل للخجل، ومن ثم التحديد الدقيق لأسبابه ومظاهره وعلاقته بالمتغيرات الاخرى وأساليب علاجه.. ليس بالأمر اليسير، لأن الخجل موضوع متعدد الجوانب ومتباين المظاهر.
ويرى المؤلف أن التفكك الاسري واعتماد المنزل في كل شؤونه على الأدوات التكنولوجية الحديثة، وانتشار المحلات والمطاعم وأماكن الترفية التي تعتمد على اسلوب “اخدم نفسك بنفسك” يادي إلى زيادة الفردية وقلل من اثر الجماعية، وأصبح كل فرد كأنه في معزل عن الآخرين. فمعظم تفاعلاتنا الاجتماعية في هذا العصر اصبحت مع غرباء عنا، ننخرط فيها ونقوم بها دون ان تكون لدينا هاديات واضحة تساعدنا على القيام بها بنجاح، وهو ما يؤثر سلبا في المحصلة النهائية لتلك التفاعلات ومن ثم توافقنا النفسي والاجتماعي وهذه القضية يطرحه الفصل الاول من الكتاب.
ويستعرض الفصل السادس ازدياد الفردية وانخفاض وضعف الجوانب الاجتماعية، لم يؤديا إلى زدياة اعداد الخجولين فقط، بل هناك من الدلائل ما يشير إلى انهما سبب زيادة انتشار “الرهاب الاجتماعي”، ويقصد بالرهاب الاجتماعي “القلق الشديد الذي يعانيه الافراد في مواقف التفاعل الاجتماعي”، والرهاب ربما يكون مصطلحا غير سار للكثيرين، لأنه يذكرهم ببعض المخاوف المحددة كالخوف من العناكب والثعابين والأماكن المغلقة، بينما يعتبر القلق الاجتماعي اكثر عمومية. وثبت انه من الصعب التمييز الدقيق بين مفهومي الرهاب الاجتماعي والخجل.
ويقدم الكتاب عرضا نقديا مبسطا لأهم ما توصلت إليه الدراسات النفسية الحديثة من نتائج في موضوع الخجل، والمفاهيم وثيقة الصلبة به، وبيان دلالاتها ومعانيها للقارئ وكيفية الاستفادة منها، سواء للقارئ العادي أو القارئ المتخصص.
ومن منظور علم النفس الارتقائي يسأل المؤلف “ماذ الذي يجعل الافراد خجولين؟ وإلى أي حد تتفاعل العوامل الوراثية والبيئية معا في تحديد درجة ما يعانيه الفرد من خجل؟”، ومن منظور الشخصية يسأل ايضا “هل الخجل يعد سمة اساسية من سمات الشخصية؟”، ومن منظور علم النفس الاجتماعي يوضح المؤلف إلى أي مدى يوجد تشابه بين الخجل والارتباك، وذلك في اطار ظاهرة احمرار الوجه، التي ترتبط بهما. وهل الخجل والارتباك شكلان مختلفان من القلق؟ ام أنهما انفعالان متمايزان؟ وكيف يمكن فهم الوعي بالذات في الحالتين؟  واخيرا يتناول المؤلف الخجل من منظور علم النفس العيادي، في اطار المفهوم الواسع للقلق الاجتماعي، ويعرض لأساليب علاجه، بما في ذلك العلاج المعرفي السلوكي والعلاج الدوائي.

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock