رأي في حياتنا

“كحلي موديل 79”

كنتُ أمتلكُ سيارَةً كوريَّةً مخلصَةً: إذا تعِبْتُ بدنياً تتعَبُ هي نفسياً، وإذا شعرتُ بالقوَّةِ، تندَفِعُ بقوَّة محرِّكٍ ألماني، على واحدة من “طلعات” جبل عمان، من دون أنْ اضطرَّ إلى تغيير درجة الغيار. وكنتُ أيضاً مالكاً مخلصاً لها: أتعبُ نفسياً إذا تعبَتْ هي جسدياً، وإذا شعرتْ بالقوة، اندفعتُ بهمَّة عدَّاءٍ إفريقي نزولاً عند واحدةٍ من “نزلات” جبل عمان. كانت هي الجسَد وأنا عضوٌ منه؛ فإذا ما أصيبَتْ بوهنٍ غامضٍ، أترُكُها في كراجٍ أمين في “صويلح”، ثم أذهب طلباً للشفاء في “عيادة الطوارئ”!
كان نوعها “كيا”، ولها دلالات متعدِّدةٌ تشيرُ إلى وصفِها الإضافي “سيفيا”، وإنْ التبسَت مواصفاتها مع نصف السيارات التي تسير على طرق المملكة الرئيسية في الواحدَةِ ظهراً، فإنَّ لها رقماً يُلفَظ بإنجليزية غليظة “ون”، ليميِّزَها عن النصف الآخر من السيارات على الطرق الفرعية. وكانت لي هيئةٌ خاصة لأليقَ بها، وليعرف الناس، حتى حينَ أكونُ على بعد مئاتِ الأمتارِ منها في كراج يعج بكلِّ أنواع السيارات، أنَّني صاحب السيارة الكحلية التي في السادسة عشرة من عمرها الافتراضي الطويل!
.. وأكونُ مرتدياً بدلة كحليَّة، صنعتْ في الصين، وألبس نظارة شمسية لا تقيني من أشعة الشمس، صنعت أيضاً في الصين، وأنتعلُ حذاءً جلدياً رقيقاً يزيد من حرارة قدمي، صينيّ المنشأ على ما يبدو، وإنْ أخبرني صاحب المحلِّ المحتال أنَّه صناعة إيطالية. لي عينان مُرْهقتان كأنَّهما لإنسان صيني بسيط، وملامح منزوعة الدهشة كأنها لرجل باله أطول من “سور الصين العظيم”. أحمِلُ إنذاراً شديد اللهجة من البنك، وخاتماً مطلياً بالذهب في خطوةٍ أولى بمشروع الزواج من فتاة طيِّبَة، صبورَة، صفراء، قصيرة كالصينيات. أقتربُ من السيارة، أضغَطُ على جهاز الإنذار برفقٍ، أستقلها بهيبتي المنقوصة، أنا “الصيني أخو الكوري”!
حدث الترابط العاطفي بيننا بعد أن اقتنَيْتُها بناءً على فحصها “الجيِّد”؛ فإذا خرجَتْ من مؤخرة السيارة “دخنة” بيضاء أو سوداء، راجعتُ على الفور طبيب الباطنية لأمر مهم يتعلَّقُ بـ “البواسير”، ولما ترتفعُ درجة حرارتها، كنتُ أنوبُ عنها في الهذيان، وأرى الديكَ المختالَ على طرفِ الطريقِ، أرنباً متوسلاً أسفلَ العجلِ الأيمَن، عندما كانت تصدأ “طرمبة” الماء فيها، تظهر عليَّ أعراض الجيوب الأنفية، وإنْ اهترأ “قشاط” المحرك، فكان ذلك يعني أنَّ تلفاً أصابَ واحداً من أمعائي الدقيقة: كانت تشكو فأتألم، وكانت تمرض فتصيبُني الأعراضُ؛ وعندما كانت تتسرب منها المياه لأسباب مجهولة، كنتُ أبكي حرَجاً.
واجهنا معاً التداعيات ذاتها للأمراض: تجارب المهنيين والأطباء في جسدينا؛ فكان صدور صوت غريب من مقدِّمَتِها، يفتَحُ كلَّ أبواب التكهنات، ففي “كراج” يكون مصدر الصوت هو “المحرك” الهَرِم، وفي آخر فإنَّ السبب غير المباشر يأتي من “طرمبة البنزين”، وفي الكراج الذي يحمل صاحبه شهادة جامعية، السبب الأوحد هو “صداع نصفي”، مثل الذي عانيتُ منه كعَرَضٍ من أعراض “مرض نادر” ذهبتُ لأكثر من عيادة لأعرف حقيقته: فهو في الأولى “قلة نوم وراحة بال”، وفي الثانية “التعرض الطويل للشمس أو القمر”، أما في العيادة الثالثة لـ “صاحبها” الدكتور الذي يحمل شهادَةً مزدوجَةً في الطب و”الميكانيك”، فقد كان السبب منطقياً، ومرتبطاً بعدم الالتزام بالترخيص السنوي!
مثل كلِّ الحكايات العظيمة افترقنا أنا و”الكيا سيفيا ون”. اشتراها رجلٌ مجهولٌ عبر وسيطٍ، من دون أن أتحقَّقَ من مطابقة الأمراض بينهما، وهو أمرٌ يؤرِّقُ ضميري، ويجعَلُني على قناعة أنَّ ما أعانيه الآن بعيداً عنها هو جزءٌ من عقابٍ دنيوي، عجَّل من خاتمتي، التي انتهت عند إعلان في “الوسيط” عن بيع “إنسان سيفيا ون”، بلون كحلي داكن، موديل 1979، أي من “القَصَّة الأولى”، بـ “حالة تعبانة”، مقدَّرة باثنين “جيد”، مع ضربات أمامية وخلفية، واهتراء في عدة أجزاء من “البودي” الصدئ، والتهاب دائمٍ في “الأذن الوسطى”!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock