أفكار ومواقف

كذبة اسمها الزمن الجميل!

الصحيح أن ما عشناه نحن جيل السبعينيات والثمانينيات، من تفاصيل جميلة ومقلقة وحادة الزوايا، متشابك وعنيف وصعب أحيانا بل وكثيرا، يستحيل أن نعاير به الأجيال التي جاءت بعدنا، والذين يعتقدون أن كراسات المدارس وحلوى المرطبانات وشطائر الزعتر وأغاني محمد منير، وكاريكاتير ناجي العلي، وجرس المدرسة العالي وباعة أبواب البيوت، ليست سوى صعوبات ومضيعة للوقت وكوميديا ربما تكون ساحرة، لكنها غير مضحكة ولا بأي شكل من الأشكال.
مسلسلات الكارتون المدبلجة وبرامج التعليم التلفزيونية “المتعوب عليها”، ودفاتر المذكرات الملونة التي احتضنت كلمات وعبارات متطابقة عن صداقة تدوم، وقلوب مقسومة بسهام كيوبيد، وملابس العيد تغفو على جوانب مرتباتنا المتلاصقة، بالنسبة لنا ذكريات زرقاء حالمة مقترنة بصوت فيروز تغني “بعدو أليف بعدك ظريف”.
لكنها حين تقترن ببعد المسافات وحدود الاشتياق البعيدة، ومشاهد الحروب الدامية، صور الشهداء والأعلام السوداء على حيطان البيوت والمؤسسات، انقطاع الكهرباء لساعات، واستراق صوت المياه في الصنابير على وجه الفجر، لتعبئة القوارير وأحواض الاستحمام، انتظار حافلات الجامعة تحت المطر، وخشخشة بقية نصف الدينار في جيوب التواقين إلى كوب شاي ساخن، لا يمكن أن تقنع جيل الحياة السهلة “في نظرنا”، بجماليتها وبراءتها.
نحن أيضا، وحين نجلس صامتين مأسورين، برضانا أو رغما عنا، أمام حكايات آبائنا وأمهاتنا، أجداد وجدات هذا الزمن، ندهش من حجم توقهم واشتياقهم لأيام الزمن الجميل.
فنسائل أنفسنا باستغراب: عن أي جمال يتكلمون؟! حياتهم كانت قاسية ناشفة معقدة وغير مستقرة، نكبات وهجرة تلو الأخرى، وغربة في الزمان والمكان، والابتعاد لعقود من الزمن قبل لقاء ربما كان يبدو حلما بعيد المنال، وعلاقات بالنسبة لنا مشوشة تربط أفراد الأسرة الواحدة بعضها ببعض، وبين الناس وظروفهم. رغم أنهم يطلقون عليها تعبيرات عظيمة مثل أيام البركة وطعم الحب وزمن الخير. وفي الوقت ذاته يصيبك انفصام في الاستقبال، عندما يبدؤون بسرد حروبهم الداخلية وحكايات الغضب والانتقام والجزع والشتات. يتحدثون بحسرة عن عشرات الكيلومترات يسيرونها يوميا من أجل مياه تقريبا كانت صالحة للشرب، ومثلها بهدف الاستحمام الأسبوعي. يطربون لمقطع أغنية “جفنه علم الغزل”، ويسترسلون خلالها ذكرياتهم عن العقاب الوخيم الذي تلقوه أن أهل صبية لم يلمحوها أصلا، لكنهم كانوا يتخيلونها فائقة الدلال!
أعلم أن لكل جيل جمالياته وحتى صعوباته التي تصير جميلة حين تدخل كتاب الذكريات، لكن أن نحصر الزمن الجميل بعمر معين، بدون أن نعترف بأن ما يعيشه أولادنا وبناتنا اليوم من سرعة في الرسالة واستقبالها وإعادتها، هو أمر جميل وجيد بحد ذاته، لو أن الوقت الطويل المتبقي استثمر فيما هو أهم للإبداع والتفكير والإنتاج.
غدا سيتحدث أولادنا عن زمنهم الجميل أيضا لأحفادنا، ويعايرونهم بالوقت الذي كانوا ينتظرون فيه “الديلفري” الذي كان يستغرق نصف ساعة كاملا من الزمن، ويترحمون على أيام كانت الطائرات تقدم فيها وجبات ساخنة بسبب طول المسافة بين عمان وشيكاغو، وسوف يغصبون أولادهم على مشاهدة صور هواتفهم التي كانت تسمى ذكية وكيف أنهم كانوا ينتظرون ليلة كاملة في انتظار حلقة جديدة من سلسلة على موقع كان اسمه “نتفلكس”!
دعونا لا نحتكر الأزمان الجميلة ولا القاسية، وبالمرة نحترم نساء ورجال كل جيل فائت أو قادم، فنحن لسنا هم، قبلا ولا بعدا. كل ما يمكن أن نفعله هو التشبت بالتفاصيل الجيدة قدر الإمكان، وتقبل الآتي من الزمان.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock