“كيف تجذب كراهية الناس إليك”؟!
هذا ليس عنواناً شعبياً لكتاب ملوّن خفيف، يُباع في أيّام العسر بخمسة وسبعين قرشاً على أرصفة وسط البلد، بجوار كتب دليل الطبخ العربيّ، وفكّ طلاسم الشعوذة والسّحر، وويلات عذاب القبر.. ونعيمه، وحكايات خرافيّة لأشباه صدّام حسين.. إنّما هو سؤال استفهام مثبت، يحرص بشرٌ على الإجابة عنه كلّ صباح قبل غسل الوجه واللسان، ويكون الجوابُ واضحاً، مباشراً وبكلمات محدودة كالتي تجيبُ عن الاستفسارات الغبيَّة عن سبب الأكل، وكيفية شرب الماء، والهدف الوحيد من الحياة؟!
أسمعُ عن “ليبرالي” و”سلفي” يحشدان أصابع أنصارهما كلّ صباح، وفي ساعات المساء الأولى، يطلقان ضدّ بعضهما، وضد أفكارهما، قصفاً مركّزاً من منصّات “التواصل الاجتماعيّ”، ويجريان على حدة في ساعات الليل الأخيرة حسبة جديدة لتعداد الأعداء.
“الليبراليّ” لديه هدف وحيدٌ في هذه الحياة: كيف يحصلُ على أكبر عدد من لعنات المؤمنين والموحّدين. و”السلفيّ” لديه أيضاً هدف وحيدٌ: كيف يُشعر العلمانيين والاشتراكيين بأنه “فظ غليظ القلب”. يغنمان اللعنات والشتائم، ويبدو أنهما يبتعدان في اتجاهين، ولن يلتقيا إلاّ في النقطة اليتيمة لالتقاء الأضداد.
ورجلٌ “ثمانين حولاً” وهو يصنّفُ الناس من هم دون لونه الزاهيّ، وخارج أسوار طائفته العالية، وعائلته الكبيرة القويّة، وعائلته الصغيرة السعيدة، ودائرة أنسبائه الضيّقة، وحيّه البعيد فوق التلة الحمراء، ووظيفته المسجّلة باسمه الرباعيّ النقيّ. يُوزّع الأرقام المميّزة التي تُخوّل الدخول إلى قوائمه المحدودة، والصفات التي تضعهم في خاناته الحريرية. شوفيني سينزلُ بعد حَوْل أو نصف الحول إلى حفرةٍ من مترٍ ونصف المتر، في أرض مزدحمة بأعدائه من الهنود، والزنوج، والأفارقة، ولن يجد بينهم جاراً آرياً واحداً.
المُعلّقونَ في حبّ الديكتاتور، الذين يطربون بغارات البراميل والمسامير والفسفور، ولديهم دوماً حجج القاتل: جثّة الطفل كانت قشرة فوق مخزن السلاح، غرفة الصفّ الخامس سردابٌ سريّ لعمليّات الكرّ، كيس الطحين متراس، والجنازة مظاهرة للمشي على جثة النظام، أما روسيا فهي العمّة الطيّبة التي ركبت البارجة “سموم” فقط لتصحيح جلسة ابن الأخ الطويل على نصف كرسيّ الحُكْم. مُعلّقونَ في حبّ الديكتاتور، ويكتبون في مديحه شعراً سيّئاً، ويبتكرون أوصافاً خالية من الرجولة لأعدائه. عصبيّون، متوتِّرونَ، وعلى أطراف شفاههم زبد، ويقولون.. فقلْ لهم سلاما! “كيف تجذب كراهية الناس إليك”؟!.
الأمر بسيط جداً.. لن تحتاج إلى كتاب شعبيٍّ ملوّن، ولا ثرثرة رجال أنيقين في “التسويق العدائي”. استيقظ متأخِّراً، ولا تغسل وجهك أو لسانك، وافتح على الفور صفحتك على فيسبوك. هناك رجلٌ قُتِل تحت الشمس غدراً، فاكتب في خانة التعليق: “كافر ومات”. هناك مباراة في كرة القدم، فاجمع شتائمكَ بالفريق الخصم، في عبارة طويلة خالية من علامات الترقيم، واقذفها للنقاش. وحدثت جريمة تُنسَبُ إلى الشرف، فاحسم اللغز بأنّ الضحية “فلتانة”، وطالبْ بالعودة الفوريّة إلى زمن الوأد. قفْ عند إشارة، ستجدُ أنّ رجلاً ينظر إليك بحياد، فبادره بعِداء، وإنْ سبقكَ بمجرّد تحول الإشارة إلى اللون الأخضر، لاحقه حتى تغلقَ الطريق أمامه، وأمام العِباد، وتلذّذ بقراءة أوصافكَ بحركات الشفاه!..
ولستَ مجبراً على الإجابة عن السؤال الغبيِّ، عن هدفك الوحيد من الحياة. يكفي فقط أنْ تتأفّف!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock