أفكار ومواقف

كسر حواجز

التطبيع بين العرب واسرائيل، وتحديدا الجهات غير الرسمية، أخذ مكانا في حركة القوى الشعبية، وهذا أمر طبيعي. فرفض التطبيع سلوك متوقع في مواجهة التعنت والقمع والاحتلال الصهيوني، وليس معقولا أن يتم منح اسرائيل أثمانا مجانية، عبر تحويلها الى كيان تربطنا به علاقات طبيعية، وهي مستمرة، بل وقائمة على العدوان والقتل والاحتلال.


وحكاية التطبيع كانت جزءا من أسباب الشد في العديد من الساحات العربية، وتحديدا التي تربطها اتفاقات رسمية مع اسرائيل. وقد حاولت اسرائيل، عبر سفاراتها، فتح أبواب علاقات مع جهات شعبية وأفراد، والهدف اختراق الحواجز وتجاوز الرفض الشعبي لهذا الكيان؛ وشهدنا في العديد من الساحات نشاطا معلنا وغير معلن لرجال السفارات الإسرائيلية، حتى لإقامة علاقة مع شخص واحد.


قبل أيام، ثارت احتجاجات من هيئات نقابية على استقبال العين عقل بلتاجي للسفير الإسرائيلي في مجلس الأمة، وهو استقبال لا ضرورة له ودلالاته سلبية، لأن مجلس الأمة حافظ على موقف متوازن باعتباره صدى للناس. وأي علاقات لفرد مع السفارة هنالك ألف طريقة للتواصل عبرها، لكن من دون الحاجة الى وضعها في إطار استفزازي أو يثير أجواء سلبية، إلا إذا كان هذا مقصودا لذاته!


لكن يبدو أن حمى التطبيع تنتقل الى معسكر بعض الجهات الإسلامية خارج الأردن. فمساء الجمعة، شاهدنا حلقة من برنامج “أكثر من رأي” على قناة الجزيرة، شارك فيه ديبلوماسي اسرائيلي من السفارة في لندن، مع د. عزام التميمي أحد المقربين من حركة حماس، وأحد رموز العمل الإسلامي في لندن، وكان في بداية التسعينات موظفا في مكتب نواب الحركة الإسلامية. شاهدنا الاثنين يجلسان في حوار تلفزيوني. والعبرة هنا ليست في أسماء الأشخاص، بل في التوجهات التي يمثلونها أو مقربون منها، وأن تجلس في حوار تلفزيوني مع ضيف ودبلوماسي اسرائيلي، مع ما يسبقه من جلسة وما يتبع الحوار من جلسة، كل هذا أيضا كسر للحواجز، ورسالة ممن جلسوا بأن هذا أمر مباح، وأقل ما يوصف به أنه تطبيع، لكنه ممن كانوا يعتبرونه تجاوزا لثوابت الأمة.


قضيتنا الأساسية ليست في الحوادث وأسماء الأفراد، لكن في التحولات. ويبدو أن جزءا من القوى التي (كانت) رافضة للتسوية والتطبيع تتحرك بسرعة كبيرة على صعيد تغيير أو قلب أفكار وثوابت كانت تتبناها. فبينما لاتزال المواقف في الأردن، مثلا، ثابتة في رفض التطبيع والحديث عن التسوية من منطلق فكري وعقائدي، هنالك تحول لدى جهات أخرى بدأت تتحدث عن تغيير أيديولوجي في فكر حماس، كما قال أحمد يوسف مستشار إسماعيل هنية. وهنالك قبول بقرارات الشرعية الدولية والقمم العربية، ودولة على الارض المحتلة العام 1967 يتم الحصول عليها بالوسائل السلمية.


علينا أن نتوقف طويلا عند ما يجري في هذه المرحلة. فنحن في الأردن عشنا أزمة بين النقابات وأحد النواب لأنه ظهر على شاشة قناة الحرة الأميركية، لكننا الآن نشاهد شخصيات إسلامية تجلس الى جانب ديبلوماسي صهيوني، وهذا سيضعف كثيرا الموقف التاريخي والثوابت التي قام عليها خطاب قوى إسلامية وقومية في مواجهة السياسات الإسرائيلية.


قد لا يمر وقت طويل حتى نكون على موعد مع تغيير جذري في مفاهيم مثل التطبيع، ومواقف من مفاصل الصراع العربي – الصهيوني، من خلال حالات الاختراق التي تبدأ فردية، أو عبر أنصاف المواقف والتصريحات، أو عبر تحولات سياسية لا تكتمل بسبب الرفض الصهيوني، والذي يمثله البرنامج السياسي لحكومة الوحدة التي تقودها حماس وتهيمن على نسبة كبيرة منها. وإذا تعامل البعض مع كل هذا بخوف، أو عبر إغماض العيون، فإن الجزء الذي يفعل ما يشاء سيضطر الجزء الأكبر إما الى الانجرار، أو على الأقل إلى دفع ثمن هذه المواقف.


[email protected]

‫4 تعليقات

  1. النفاق
    عندما يتم اتصال بين حماس و الاسراءيليين فهو ظرورة فنية!!! وعندما يتم بين مسؤول اردني و آخر اسراءيلي فهو تطبيع!!! فاليتوقف الاسلاميون عن النفاق و التلون فهذا عيب امام الله والناس !

  2. التطبيع الاسلامي!!!
    محمد العمري- المدينة المنورة
    الاخ الكريم سميح المعايطة،،ربما تذكر انت اكثر من غيرك كما يذكر السيد عزام التميمي الذي كان -فيما اذكر- اوائل التسعينات رئيس تحرير الرباط وربما السبيل لسان حال الحركة الاسلامية ان التاريخ الاسلامي يحوى ازدواجات كثيرة ممكن ان تبرر الموقف وضده ، فهناك معاهدات نبوية مبررة مع اليهود وهناك اجلاء وحروب في ظروف اخرى ،لكن لم تفسح رؤية الحركة الاسلامية يوما لخصومها اكثر من رايها الراهن ،فمن يستطيع العودة الى مقالات عزام التميمي في ذلك الوقت يجده مدانا مما يرتكبه اليوم بفكره لا بفكر غيره ولكن بالعودة الى الوراء قليلا، فليت الذين يصيغون افكار الحركة الاسلامية اليوم يفكرون اكثر فيما سيقومون به استرتيجيا بعد عشر سنوات ، حتى لا تفقدهم افكارهم في ذلك الوقت مزيدا من المؤمنين بهم ، فالفكر الاسلامي اعمق من نزوة اشتراكية تنهار بخمسين عام ، ويضطر من بقى من فلولها لتبيرير كل عقد من الزمان على ظروفه!!!

  3. وضعت اصبعك على الجرح ونطقت باسم الناس
    كما صدمنا السيد سميح المعايطة في مقالة سابقة على صفحات الغد الغراء بعنوان "البتراء اسرائيلية" يصدمنا مرة اخرى عندما يتطرق لبرنامج الجزيرة الذي شارك فيه الدكتور عزام التميمي المقرب من حماس الى جانب احد موظفي السفارة الاسرائيلية في لندن. نحن نعلم ان الكثير من الوطنيين العرب ومنهم الأشقاء الوطنيون الأردنيون المعارضين للتطبيع لأسباب مبدأية وعقائدية وموضوعية يجدون صعوبة في تعليق الجرس عندما تقوم شخصية برلمانية وليست حكومية مثل السيد عقل بلتاجي بدعوة السفير الاسرائيلي الى عرين الشعب الرافض للتطبيع ونقصد مجلس الأمة المنتخب مباشرة من الشعب. ومنبع هذه الصعوبة تكمن اساسا في سلوك الفلسطينين المعنيون مباشرة بالدفاع عن قضايا شعبهم للأسف ونقصد حملة بطاقات ال "VIP" من رجالات السلطة الفلسطينية الذين اصبح جل همهم الفوز بلقاء تنسيق مع الاحتلال او مع القنصل الأمريكي في الوقت الذي يقصف فيه شعبهم ويتساقط بالعشرات، لا لسبب الا لاثبات وجودهم بعد ان خسرواالانتخابات، ويبدوا ان هذه العدوى بدات تنتقل لمن اختارهم الشعب للتخفيف من هذا الوضع المخجل.

  4. السجون الافتراضية
    ما يزال كثيير من العالم يعتقد بتخلف العالم العربي, وانه غير قادر على الابداع والابتكار, مع انه كان المخترعين لما يسمى بالسجون الافتراضية, وكان مبدعا اكثر بأن سَجن نفسه داخل هذا السجن, ومن امثلة هذه السجون هو سجن رفض قرار التقسيم, وسجن الاءت الثلاث وغيرها من رفض لأي اتفاقيات او مفاوضات او محادثات او تفاهمات او مشاريع او افكار, بناء على سجون قام بتصميمها اناس ذو رؤية محدودة للامور, سجون ساعدنا ببنائها وضحينا من اجلها بكل شيء اولادنا واموالنا ورفاهيتنا ضحينا بكل شي من اجل ان المحافظة على السجون, حتى وبعد ان ضاقت علينا تحملناها وحشرنا انفسنا فيها, الى ان جاء الوقت الذي لم تستطع فيه الاجيال الجديدة, والتي ترى كل شيء وتستوعب كل شيء في الانترنت والتى تخاطب وتجادل كل سكان المعمورة من خلال الانترنت, اجيال تتحدى السجون القديمة, وخرجت منها العالم الجديد, عالم لايهمه من اين ياتي البريد الالكتروني, ولكن ما يهمه المحتوى , ولكن لا تزال طائفة تصب جأم غضبها على يتحدى افكارها ومنها النقابات والاحزاب, ومنها هذه الزوبعة على عنوان صغير في كتاب اللغة الانجليزية, او زيارة شخص الى عين.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock