أفكار ومواقف

كسل في متابعة السياسات العامة

معضلة صنع السياسات العامة في الأردن لا تتوقف ولا تنحصر في مراكز صنع السياسات العامة الرسمية، بل المشكلة الحقيقية تتمثل في عدم وجود مراكز موازية لصنع ومتابعة هذه السياسات خارج حدود الحكومات. يبدأ ذلك الضعف من البرلمان، مرورا بالمؤسسات الأكاديمية، وصولا إلى مؤسسات المعارضة السياسية ومؤسسات المجتمع المدني. فالمؤسسات الموازية هي الضمانة الحقيقية لكفاءة السياسات العامة؛ ليس في مرحلة الإعداد، بل وفي خلق التوافق الوطني حولها، ومتابعة تنفيذها وآثارها.
بعد مرور نحو خمسة أشهر على إطلاق وثيقة “الأردن 2025″، لم نجد قراءة موازية جادة لوثيقة من المفترض أنها ستكون خطة لعقد قادم صعب ومعقد، تزدحم فيه الفرص والتحديات؛ فلم نسمع تلك المتابعة لا من الأحزاب ولا من المؤسسات الأكاديمية، ولا من مؤسسات المجتمع المدني بشكل عام.
نهاية الشهر المقبل، يبدأ التعداد العام للسكان والمساكن، وما يصاحبه من مسوح اقتصادية اجتماعية. ومن المفترض أن يكون التعداد وما يصدر عنه من وثائق، أساسا لسلسلة واسعة من السياسات العامة في مختلف المجالات، ولعقد مقبل أيضا. يحدث ذلك في الوقت الذي لا تتوقف فيه السجالات حول الأرقام الاقتصادية والاجتماعية، ولا توجد فرصة أكثر وضوحا من هذه الفرصة لكي تلتفت المؤسسات الموازية لمتابعة ومراقبة هذا التعداد، والمساهمة في نشر الوعي العام حوله، كما متابعة كيف تستخدم نتائجه في السياسات العامة.
وفي مجال ذي صلة، فقد حان الوقت لتبني تحالف من مؤسسات المجتمع المدني ومراكز البحوث والدراسات المستقلة إصدار تقرير وطني مواز عن حالة البطالة والفقر في الأردن، للتقريب بين الأرقام المتوقعة والتي يعتقد الكثير من الخبراء أنها تعكس الواقع، وبين الأرقام الرسمية التي طالما دار حولها النقاش، وأثيرت بشأنها الشكوك.
إن التحدي الكبير أمام المؤسسات الموازية، سواء كانت مؤسسات مدنية أم أكاديمية أم سياسية، وهي تدخل مطبخ السياسات العامة، هو كيف تخرج من العلاقات الزبونية مع الحكومات، كما الخروج في الوقت نفسه من نمط المعارضة التقليدية القائمة على المواقف المسبقة، والانشغال بالشكل على حساب المضمون، وعلى حساب ممارسة السياسة بمعناه الحقيقي؛ أي الاشتغال على خبز الناس وعملهم وتعليمهم ونوعية حياتهم، وهذه هي موضوع السياسات العامة وهدفها.
علينا أن ندرك حجم الأزمة في كفاءة صناعة السياسات العامة وإنضاجها، والمتمثلة في الارتجال في بعض القطاعات، وعدم بناء خبرة وطنية في قطاعات أخرى، كما ضعف أدوات المشاركة في بناء السياسات العامة في الأصل، وبالتالي ضعف أداء الرقابة الشعبية والمدنية على عملية وضع هذه السياسات وتنفيذها ومتابعتها وقياس آثارها. فإلى اليوم، لم يطور البرلمان ولا مؤسسات المجتمع المدني أو مراكز البحوث والدراسات الخبيرة، خطوطا موازية لعمل الحكومات، تسهر على بناء نماذج محاكاة مكملة أو بديلة لما تعمله الحكومات. علينا أن نتصور أهمية تخريج جماعات تفكير مدنية خبيرة في السياسات القطاعية، قادرة على المساءلة والمراقبة والمتابعة؛ وعلينا تصور أهمية أن تصدر لدينا تقارير سنوية في مجال متابعة السياسات العامة عن مؤسسات مستقلة، حول أولويات ملحة، مثل ملف تنمية المحافظات، وملف المؤسسات العامة المستقلة، وملف السياسات المالية والسياسات الضريبية، وملف اللاجئين، وملف الموارد والتنمية، وغيرها.
نماذج المحاكاة في السياسات العامة ضرورة وطنية وليست ترفا. والحياة السياسية التي نفتقدها تبدأ من الاشتغال الفعلي على جعل الشأن العام شأنا يهتم به كل مواطن، من خلال تطوير وعي الناس واهتمامهم بالسياسات العامة، والقدرة على نقدها ومتابعتها، ومراقبة كيف تصنع وتدار.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. توائم التنظير مع الواقع وقدرة تفعيله"
    اصبحنا في ظل الكم الهائل من المبادرات اشبه بمن غرق في بحرها؟ يصعب علينا مواءمتها على واقع حالنا وقدراتنا ناهيك عدم القدرة على تجميعها وتصنيفها وفرزها وبعد ذلك تحديد الأولويات بعيدا عن سياسة راس روس وكل واحد بدوا على راسه ريشه (وهناك فارق ما بين الدعوة ل الإصلاح من اجل الإصلاح والدعوة من أجل صاحب الدعوة ومصالحه)" ولايغير الله مابقوم حتى يغيروا مابانفسهم"

انتخابات 2020
43 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock