في إحدى المرات، قبل نحو عقدين، أعلنوا عن كسوف نادر للشمس سيشاهَد من الأردن. وشاعت في ذلك الحين تحذيرات قوية من مغبة تعرض العينين للشمس وضرورة التزام البيت وقت الكسوف. وأخذنا المسألة على محمل الجد، وخاصة عندما يتعلق الأمر بسلامة الصغار. وباختصار، شاع لوقت قصير شعور بالتوقع، يشبه -إلى حد ما- الشعور السائد هذه الأيام مع كورونا.
كإجراءات وقائية في وقت الكسوف، أغلقنا النوافذ وأسدلنا الستائر. وحتى الأبواب ذات الزجاج شبه النفاذ، وضعنا عليها أغطية لإيقاف أي أشعة شمسية متسللة. وحسب ما أعلم، التزم الكثيرون باتخاذ الاحتياطات، بطريقة تشبه الحجر الذاتي الوجيز في المنازل لساعة أو اثنتين.
عندما انتهى الكسوف وفتحنا الأبواب، لم نسمع عن أحد أصيب بعمى ولا بغيره. وكان الحادث تمريناً صغيراً في «الطوارئ»، وعادت الأمور إلى سياقاتها. وأتصور أن الكثيرين، إذا عايشوا كسوفاً مثل ذاك، وقرؤوا تحذيرات مثل تلك، صادرة عن جهات موثوقة مثل «وكالة ناسا الأميركية للفضاء» فإن أغلبهم سيؤثرون السلامة ويحتاطون.
الكورونا أخطر، بلا ريب. وعواقب الاستهانة أفدح. وبحسابات العقل، أو الميل الغريزي إلى حفظ الذات، ينبغي أن يكون التحفز أقوى والتحوط أكبر بما لا يقاس مما كان مع كسوف شمس عابر. وليست مواجهة وباء متسلل بلا شكل ولا قابلية للتنبؤ خبرة سيختارها عاقل، لكنه في النهاية شيء مما قد يضطر المرء إلى اختباره في حياته من مواقف جديدة، تسجلها ذاكرته ويستحضرها لاحقاً، كما أفعل الآن مع قصة الكسوف.
في بداية أي مواجهة غير مألوفة منطوية مع تهديد، يرتكب الناس الأخطاء. ولكن، إذا كان التهديد عالمياً، وكانت المعلومات عنه متاحة، فإن الحكمة تقتضي تجنب تكرار أخطاء الذين أخذهم الحدث أولاً على حين غرة، والاستفادة مما اجترحوه للبقاء. وقد تحمل الصينيون في ووهان الهجمة الأولى وجنبوا الآخرين رعونة المفاجأة. ولدينا من الأخبار والإحصائيات والأدبيات عن رحلة الوباء قبل وصوله إلينا ما يجعل الأمور أوضح، والمعرفة أدعى إلى الهدوء.
كنا نعرف أن وصول الوباء إلينا مسألة وقت فقط. وكانت الإجراءات الحكومية والاستجابة الشعبية قريبتين من الكمال. وأديرت الأزمة بالتدرج اللازم لتجنب الصدمة وتوخي المِلاحة السلسة في مسار مدروس، صعوداً من الإرشاد الإعلامي إلى إغلاق الحدود وإعمال قانون الدفاع، بطريقة لا تعتدي على شيء وتفعل كل شيء لحماية الناس وطمأنتهم.
لا تكفي المساحة لتعداد المظاهر التي تجعلنا فخورين، من الشفافية الرسمية وسلامة الإجراءات، إلى تعاون الناس وتجنيد أنفسهم وإمكاناتهم، إلى شيوع روح التفاؤل والطمأنينة، إلى طريقة الحجر الحضارية وغيرها الكثير. لكن الاعتياد النسبي للخبرة يجب أن ينهي الأخطاء العرَضية الأولى.
يجب الكف تماماً عن تنميط الآسيويين الضيوف بيننا، ونحن أكثر من عانى من التنميط. ويجب نبذ الإشاعة وعدم المشاركة في نشرها. الإشاعة تنشأ عندما يكون هناك عوز إلى المعلومة الرسمية الموثوقة فيتكهن الناس ويجتهدون. وليس هذا واقع الحال عندنا، ومن العيب -والتآمر الصريح- اختلاق أخبار تثبط المعنويات وتنشر الارتباك.
وأيضاً، من المفيد أن يبتكر أحد طرفة تخفف الضغط، لكن من العيب السخرية من مواطنيه على وسائل التواصل لأي سبب، أو النيل من خصوصيتهم والتشهير بهم بسبب أخطاء تحدث في ظروف كهذه. ومن العيب أيضاً التحايل على التعليمات، وتعمد المشاركة في المواقف التي تضر بالنفس والآخرين، مثل التجمع حيث لا يلزم لإظهار الورع، أو الشجاعة الزائفة، أو القدرة على خداع السلطة والمجتمع. ومثل ذلك التهرب من الحجر الاحترازي أو التكتم على الإصابات.
والتجار، من منتهى الوحشية والخيانة الوطنية أن يستغل بعض ضعاف النفوس الحروب أو الأوبئة لتعظيم الربح ورفع الأسعار على أساس العرض والطلب. وينبغي أن يخجل مثل هؤلاء من وقوفهم إلى جانب الوباء العدو ضد بلدهم ومواطنيهم في هذه الظروف، ونأمل أن لا نرى مثل هؤلاء بيننا.
كتب نيكولاس غروسمان، أستاذ العلوم السياسية في جامعة إلينوي: «في الأسابيع القليلة الأخيرة، تغير العالم إلى الأبد. سوف نتحدث عما يحدث الآن، ونستخدمه كنقطة مرجعية لسنوات. أما كم سنفعل، فسيعتمد على كيف تسير الأمور في الأشهر القليلة المقبلة».
لكن هذه الأحداث ستمر وتذهب بالتأكيد، مثل كسوف قصير لشمس الحياة التي لا يمكن أن يُذهب بهاءها الأبدي شيء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock