آخر الأخبار حياتناحياتنا

“كشك الطليعة” ملاذ الباحثين عن غذاء العقل والروح

أحمد الشوابكة

عمان – عندما يحل الليل ويسود السكون، يلملم الخمسيني سامي أبو حسين كتبه ختاما ليوم مثقل بالضجيج في شارع الملك الحسين بقلب عمان القديمة، حتى بات “كشك الطليعة”، من معالم المدينة يصعب تجاهله، فقد أمسى ملاذا للباحثين عن زادهم اليومي من غذاء الروح والعقل منذ بواكير العمل الثقافي، فمنذ نحو سبعين عاما وصاحب الكشك يرسم صورة واقعية للحراك الأدبي في العاصمة عمان، ويشكل حجما كبيرا للنشاط الثقافي، في بلد ما تزال الثقافة فيه تتسيد المشهد الحياتي للبلد.
يجلس أبو حسين في معاقله بين عبق الكتاب، وأنين الصحف التي تكاد تكون مهجورة، رغم تأثير الشبكة العنكبوتية على المطبوعات بشكل عام، والكتاب بشكل خاص، حيث يبدأ بترتيب الكتب، عمله في الثامنة صباحاً إلى منتصف الليل، فيما يرمق المارة بنظرات نهائية بانتظار آخر الزبائن عله يختتم بها يومه. قبل أن ينفض عن ملابسه الغبار المتطاير مرتشفا آخر فنجان قهوة ليومه.
مضت أربعون سنة منذ أن بدأ الخمسيني سامي أبو حسين يحترف بيع الكتب، وصار من أقدم أكشاك بيع الكتب في وسط عمّان، ليعلنه المثقفون والأدباء “صديقهم الدائم”.
لم يمتهن “أبو حسين” هذه المهنة فقط من أجل المال، فالقراءة هوايته، والكتاب رفيق عمره، فمن خلال موقعه تعرف بدوره على العديد من رواد الجامعة باختلاف كلياتهم ووظائفهم وتخرجهم، وتطورت علاقته بالبعض حتى صار منهم من يأتيه ومعه أطفاله، بينما يفاجئهم أبو حسين بقوة ذاكرته وتذكره لهم.
وأوضح بأن الميزة التي تخصه هي توفيره للقارئ ما يريد، لكونه ملما بآخر مؤلفات ذلك الكاتب، وجنسية الثاني واتجاهات الآخر، بينما يملك رأيه المختلف دائمًا، وأنه لا يهم من أي كتاب تبدأ، ما يهم هو أن تقرأ وستجد طريقك ونوعك المفضل.
يقول أبو حسين أن بيع الكتب يزداد بشكل أكبر في الصيف، ويعزو ذلك الى توافد أعداد كبيرة من السياح الى البلد الذين يعرجون على كشكه، يتفرجون، وينتقون بعض الكتب القديمة التي لم تعد متوافرة في المكتبات. ويتابع، سعر الكتب تضاعف عما كان عليه سابقاً، لذا فإن الإقبال على الشراء حالياً بات أضعف، فضلاً عن انتشار الإنترنت والفضائيات، وتبقى الكتب الأكثر رواجاً من التي تتوافر في كشكه، هي الرواية والكتب السياسية، كما يقول، مع العلم أن الكشك يحتوي الكتب الأكاديمية التي يحتاج إليها طلبة الجامعات.
بدأت شهرة الكشك بفضل تميّزه ببيع كتب مهمة، تعود الى السبعينيات من القرن الماضي. فحظي أبو حسين بثقة جيل من المثقفين والأدباء والشعراء من أمثال الشاعر العراقي مظهر النواب وعبد الوهاب البياتي والشاعر الفلسطيني محمود درويش وسميح القاسم والروائي عبد الرحمن منيف، والأديب الأردني مؤنس الرزاز، وعدد من الكتاب الصحفيين في الأردن. حتى كبار مسؤولي الدولة لم يستطيعوا الانفكاك عن الوقع الأدبي الذي يمثله الكشك الشهير، ففي مقره الثقافي يزوره رؤساء وزراء سابقون، ووزراء، وكبار مسؤولي الدولة.
ولا ينفي “أبو حسين” حبه وعشقه للمكان الذي أمضى فيه قرابة نصف قرن الذي ورثه وأشقائه من والده مذ أكثر من ثمانين عاماً، وهو يعمل معه، بمعاونة أشقائه ليبيع كافة أنواع الكتب.
أربعون عامًا لم تكن مملة له، لا يتمنى فيها سوى أن يحافظ على الإرث الذي ورثه من والده، والذي هو مصدر رزقه الوحيد وهوايته الدائمة، وكما أن لكل منا نصيبا من اسمه فاختتم كلامه بقوله، “الرزق من الله” وهو راضٍ تمامًا عن عمله، ليعود غدًا ويبدأ يومًا جديدًا يبيع فيه الكتب والروايات والمجلات والصحف.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock