أفكار ومواقف

كلف التعليم العالي: أرقام صعبة

مع اقتراب إقرار الموازنة العامة للدولة للعام القادم، تطل أزمة الجامعات المالية من جديد، فيما تستمر الحلول المؤقتة والمهدئة لأشهر قليلة لتعود الأزمة أقوى مرة أخرى. يحدث ذلك مع الاستمرار في سياسات التوسع الكمي في أعداد الجامعات وفي قبول الطلبة، حيث شهد القبول زيادة سنوية وصل معدلها نحو 20 %، حسب خطة التعليم العالي التي وافقت عليها الحكومة قبل عام. من المفترض أن تصل مخصصات الدعم الحكومي للجامعات للعام القادم نحو 120 مليونا، تراجعت فعليا حسب مصادر مطلعة إلى نحو 50 مليون دينار فقط.
توجد اليوم أربع جامعات شبه مفلسة وتدار ماليا يوما بيوم، لكن ذلك لا يعني أن الجامعات الأخرى في عافية إذا ما علمنا أن الجامعات التي لا تعاني من مشاكل مالية تعتمد بشكل شبه أساسي على إيرادات البرنامج الموازي، وهو برنامج يعد عمليا ضمن القبول الاستثنائي الذي لا يراعي العدالة في توفير فرص التعليم  ومبدأ المنافسة، حيث تصل مساهمة إيرادات البرنامج الموازي إلى45 % من  إيرادات الجامعات وإلى  66 % من إيرادات بعض الجامعات، ويلاحظ حجم التراجع الذي تشهده نوعية التعليم الجامعي نتيجة القبول الاستثنائي الذي جعل من قاعات كليات الطب تزدحم بالطلبة مثلها مثل الكليات الإنسانية، في الوقت الذي وصلت فيه الإيرادات من الطلبة الوافدين إلى نحو 400 مليون دينار، أخذت أعداد الطلبة الوافدين بالتراجع وهي مرشحة للمزيد من التراجع ايضا.
لا أحد يدعو إلى زيادة الرسوم الدراسية في الجامعات الحكومية التي لم تشهد أي تعديل منذ عام 2001، ولكن علينا أن نراجع بشكل معمق المسار الذي تذهب اليه هذه الأزمة في ضوء أزمة المالية العامة للدولة والظروف الاقتصادية المتردية للمجتمع وحساسية موضوع إعادة هيكلة الرسوم الجامعية، ومدى الحاجة إلى نظام مستدام لتمويل الجامعات.
يتجاوز معدل كلفة تعليم الطالب الجامعي نحو 3000 دينار، ومعدل ما يتحمل الطالب منها نحو 1200 دينار فقط، ومع الأخذ بأعداد الطلبة في الجامعات اليوم الذي وصل !إلى 238 ألف طالب، أي أنهم يحتاجون إلى نحو 700 مليون دينار، وهناك نحو 35 % من الطلبة غير قادرين على دفع أي رسوم ولا يخصص لصندوق دعم الطالب إلا نحو 6 ملايين فقط، أي أن هناك فجوة موارد هيكلية لا يمكن أن تسد إذا ما استمرت موارد الجامعات بهذه الهيكلة، علاوة على أن الجامعات المأزومة ماليا أيضا تعاني من أزمات أخرى تصب في تعقيد الأزمة المالية؛ مثل تضخم أجهزتها الإدارية حيث تنفق جامعات مثل مؤتة والحسين رواتب للهيئات الادارية أكثر من ضعفي ما تنفقه على الهيئات الأكاديمية.
الأزمة كبيرة ولم تعد تنفع معها الحلول المؤقتة، ولا حتى زيادة المخصصات أو مضاعفتها للعام القادم والذي يليه، فقد جرّبت الحكومات ذلك منذ عام 2006 حينما التزمت بسداد ديون الجامعات، لكن الأزمة عادت مرة أخرى وستبقى تعود لأن الأسباب الهيكلية لا تعالج، ولن يتم ذلك بدون نظام وطني مستدام لتمويل الجامعات، وبدون إصلاح هيكلي للجامعات ذاتها.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. ازمة التعليم العالي
    مقالة رائعة في وصف اوضاع الجامعات المالية فعلا نحن نعاني ازمة في التعليم العالي في الاردن ولكن دون ايجاد حلول مبتكرة يتم جدولة نفس المشاكل في كل سنة لذلك نحن بحاجة لرؤساء جامعات استثنئايين يساهموا في خلق افكار تحد من تدهور التعليم العالي وليس زيادته كما يحصل الان

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock