آخر الأخبار حياتناحياتنا

كلمات “السخرية” من المظهر.. هل يدرك قائلها تأثيرها النفسي المدمر؟

مجد جابر

عمان – “ناصحة”، “بشعة”، “دبة”، “أبو كرش”، “مسلوع”، “عصاية”.. بهذه الكلمات اللاذعة يتم “الاستهزاء” من شخص لآخر يمر من أمامه من أجل الدعابة أو تسلية من يجالسهم أو حتى تعبيرا عن كرهه للشخص الآخر ومحاولة إظهاره بأبشع الصور.
كل ذلك يندرج تحت مسمى “التنمر” على الشكل، وهو أمر “خطير” قد يتعرض له كثير من الأشخاص سواء وجهاً لوجه أو حتى على مواقع التواصل الاجتماعي لتنهال تعليقات السخرية على شكل الشخص.
وهو تماماً ما حدث مع رناد التي اعتادت أن تشرب القهوة يوميا مع إحدى زميلاتها في العمل، غير أنها بدأت تلاحظ أنها لا تترك شخصا يمر من أمامها حتى تنهال عليه بالتعليقات اللاذعة مثل “ما أنصحها”، “من وين بتلاقي أواعي على مقاسها”، “بتخوف”، وغيرها من التعليقات التي تصفها رناد بـ”المسيئة”، مبينة أنها لا تذكر بأنها مدحت أو شكرت أي شخص منذ معرفتها لها، إنما يكون تعليقها جاهزا دائما بالاستهزاء والسخرية.
وتضيف أنها مع الوقت قررت التخفيف من مجالستها؛ إذ لم تعد تحتمل تصرفاتها السلبية، مبينة أنها على يقين من أن صديقتها تعاني من مشكلة نفسية.
هند معلمة واجهت هذه المشكلة مع أحد طلابها في الصف والذي كان يملك بشرة داكنة، وهو السبب الذي جعل باقي طلبة الصف “يستهزئون” منه طوال الوقت، ويطلقون عليه أسماء غريبة مثل “شوكولاته”، “سوداني”، “black”، وغيرها الكثير من المسميات التي أثرت على الطفل وأوجدت عنده حالة نفسية جعلته يكره المدرسة والصف ويرفض القدوم الى المدرسة.
وتضيف هند أنها تواصلت مع أهل الطالب كثيرا حتى تستطيع إقناعه بالعودة الى المدرسة، عدا عن محاولاتها المستمرة بالتحدث مع باقي الطلاب للكف عن مضايقته، مبينة أن ذلك قد يؤثر عليه في المستقبل وعلى شخصيته ونفسيته.
ولعل التنمر على الشكل لا يعاني منه الأشخاص بالحياة الواقعية فقط، إنما قد يتعرض له الكثيرون سواء كانوا مشاهير أو أناسا عاديين على مواقع التواصل الاجتماعي، ويظهر ذلك من خلال التعليقات التي قد يستقبلونها بمجرد نشرهم لصورة أو فيديو.
وكانت قد أثارت الإعلامية المصرية ريهام سعيد، مؤخراً، ضجة كبيرة تعرضت بسببها لحملة هجوم كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك بسبب سخريتها وإهانتها لصاحبات الوزن الزائد في آخر حلقاتها؛ حيث تحدثت عن النساء اللواتي يعانين من السمنة بطريقة وصفها الجمهور بـ”الوقحة” وغير الاحترافية في حلقتها التي حملت اسم “رحلتي مع التخنة”؛ حيث كانت طريقتها عدائية بالحديث عن الموضوع وأسلوبها غير مهني، واستخدمت بعض الكلمات القاسية ضد هذه الفئة من السيدات عرضتها لهجوم كبير.
وصفت سعيد في أحد المقاطع هؤلاء النساء بـ”العبء على المجتمع” وأنهن يشوهن منظر المجتمع، كما سخرت من ملابسهن الفضفاضة وطريقتهن بالمشي، وأهانت فئة كبيرة من سيدات مصر قد تكون سبب مشكلتهن مرضية ولا يمكن حلها.
وكانت الإعلامية الكويتية مي العيدان، أيضا، قد سخرت مؤخرا من جسد الفنانة العراقية دموع تحسين، الأمر الذي استدعى ردا من الأخيرة، قائلةً: “كرشي يعجبني وأنا لست عارضة أزياء، والعالم يحبونني بهذا الشكل”. وأضافت: “أنا لا أكرهك، ولا أحقد عليكِ، الدنيا فانية، وأقول في النهاية الله يسامحك”.
والنماذج على هذا الأمر لا تنتهي، فهي كثيرة عبر منصات التواصل؛ إذ لا يتوانى كثيرون عن إطلاق سهام النقد والاستهزاء على الشكل والوزن وأشياء أخرى كثيرة على الآخرين، مما يسبب الإحباط لهم والميل للوحدة والعزلة والأذى النفسي الذي لا ينسى مع الأيام.
الاختصاصي النفسي والتربوي الدكتور موسى مطارنة، يبين أن التنمر لا يقتصر فقط على الضرب على من هو أضغف، إنما هو استغلال شخص لسلطته بشكل سلبي والتضييق على الآخرين والسخرية والتسلط عليهم. كذلك يأتي التنمر من خلال التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصا على الشكل، وهذا يسبب للشخص المعني الاكتئاب والميل للوحدة والابتعاد عن المحيط.
ولكن مطارنة يؤكد أن المتنمر هو الذي يعاني من اضطرابات نفسية؛ إذ لديه حالة من الضعف يسقطها على الآخرين، فهو يعتبر الآخر عدوا له، وذلك يأتي بطبيعة الشخصية، فهو إنسان سيجد شيئا سلبيا بكل شخص يراه أمامه، ولا ينظر للإيجابيات، ولا يهتم بمشاعر من حوله.
وفي ذلك، يذهب الاختصاصي الاجتماعي الدكتور حسين الخزاعي إلى أن الشخص الذي يتبع هذه السلوكيات “المسيئة” لا ينظر إلى نفسه وليس لديه القدرة على التمييز بين الخطأ والصواب، مبينا أنه لو مر بالتجربة ذاتها وشعر بالأثر النفسي لذلك لن يقوم به تجاه غيره.
ويشير الى أن المتنمرين “يفتقرون” للأخلاق والمعايير الحقيقية التي تحكم تصرفاتهم، ولا يدركون “الضرر” النفسي الذي يتسببون به للآخرين والألم والمعاناة للشخص المقابل الذي يصعب نسيانه مع الزمن. ويضيف الخزاعي أن التنشئة الاجتماعية عند بعض الأسر أوجدت مثل هذه الصفات لدى الابن، كونه تربى ونشأ عليها في العائلة، وكأنها أمور عادية لا تخضع للمعاقبة والحساب.
وأحياناً تكون الغيرة من هؤلاء الأشخاص ونجاحاتهم هي السبب وراء السخرية، مبينا أن مكارم الأخلاق كلها تحث على عدم الاستهزاء والسخرية.
ويرى الخزاعي أنه أحياناً “السكوت” من قبل الطرف الآخر قد يكون سببا في تمادي الأشخاص، الى جانب عدد من العوامل مثل سوء التربية والحسد، كلها أسباب تؤدي الى سلوكيات خاطئة تظهر على السطح من خلال التنمر والاستهزاء.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock