فكر وأديان

كلمة على هامش الغلو والتطرف

د. عصر محمد النصر*

للمجتمعات قوة دفع يعجز عنها الأفراد والجماعات. وهذه القوة تتشكل من سلوكيات الناس وعاداتهم، وما يدينون به؛ ذلك أن بقاء الفرد وحتى الجماعة لا يستقيم إلا إذا استطاع تحقيق قدر مشترك من الانسجام، يراعي مراتب التدين وتنوع الناس فيه: “إذا صلّى أَحَدكم للنّاس، فَلْيُخفّف، فإنّ مِنْهم الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالكَبِيرَ. وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ”.
ومن تأمل التاريخ، رأى أن كثيرا من الدعوات تلاشت واضمحلت، ولم يعد لها ذكر إلا في ذاكرة التاريخ وأوراقه الصفراء. ومن ذلك ما سطره لنا تاريخ الفرق في الحديث عن “الخوارج”؛ إذ تعرضت لدفع المجتمع حتى زالت. وهذا يعود إلى علو مستوى المخالفة والمصادمة. فمثل هذا النمط السلوكي لا يُقبل؛ إذ يقوم على ركن البقاء في مقابل فناء المخالف. وهكذا الأفكار يجري عليها ما يجري على أنماط السلوك؛ فلا يقبل المجتمع منها ما شذّ وندّ، وإنما ما لانَ. ولذلك، جعل لنا الشرع ضابطا تُختبر به النفس وتُعرض عليه الأعمال والأقوال، فجاءت النصوصُ الشرعية بالحث على الاستقامة والمطالبة بالاعتدال، والنهي عن تجاوز الصراط أو تعدي حدود الشرع. ومن هنا، عُد َّالغلو من أسباب الخروج عن الإسلام والسُنّة.
كنتُ قد ذكرتُ في مقال سابق: إن الغلو سلوك إنساني تجاه أمر معين، له محفزاته ودواعيه وعوامله المؤسسة له. ثمّ هو يخرج بصور متعددة، وتحت مسميات مختلفة. ولما كان الغلو متعلقا بحركة النفس وتعاملها مع البيئة وما يكتنفها من أحداث، كان علاجه على مستوى الفرد والمجتمع يحتاج قدرا من التعاون، وتنوعا في الأساليب. وليس الخطاب هنا لجهة محددة، بل على الجميع أن يتحمل مسؤوليته تجاه هذه الظاهرة.
عند الكلام على معالجة الغلو، لا بد من التذكير بجملة حقائق، لنبقى منها على ذُكرٍ. من ذلك، التأكيد على هوية المجتمع وحفظ خصوصيته الدينية، لاسيما في وقت انتشرت فيه القيم المادية والمفاهيم العلمانية، بما تحمله من مصادمة للدين، يشعر معها الفرد والجماعة بخطر يهدد خصوصيته. فمعالجة الغلو لا تكون بمثله؛ فكم قد رأينا من تطاول على الثوابت والمسلمات بحجة معالجة الغلو، بما يكون من شأنه تأزيم المشكلة وإعسار الحل. كما أن الظواهر الاجتماعية تحتاج إلى قدر من الحكمة في التعاطي معها، فلا تستفز مشاعر الناس في تدينهم، وأهم عناصر هويتهم ووجودهم، بما يؤول أمره إلى تعزيز نزعة الغلو ونموها.
ومن الحقائق المهمة في معالجة نزعة الغلو، إزالة العقبات أمام فئات المجتمع. فذلك السلوك النفسي لا يخرج عن حد الاعتدال إلا إذا وجدت الدوافع. فضيق العيش، وتدني مستوى المعيشة، وغياب الشفافية في معالجة المستجدات، كل ذلك يؤدي إلى ضعف الثقة، خصوصا عند غياب التمثيل الحقيقي والمؤثر لكثير من فئات المجتمع. وليس من هذا الباب تعزيز نمط من التدين يختص بفئة أو جماعة؛ حيث يكون النظر إلى ترك المخالفة للرأي الرسمي أو تجنب الاعتراض عليه، وبالتالي إضعاف مظاهر التدين التي هي جزء من هوية المجتمع ومعبرة عنه. وهذا يستدعي مراعاة تدين المجتمع وما فيه من تنوع.
وعطفا على ما سبق، فإن من ضروريات الواقع ومهماته، إعادة تقيم العلاقة بين الدعوة والدولة. فمراعاة التدين في المجتمع، والقيام على شؤونه، من أعظم وظائف الدول وأنظمة الحكم فيها. والقصور في هذه الرعاية له سلبيات متعددة، من أهمها تلك الفجوة مع شرائح من المجتمع، فيتولد عن هذه الفجوة أنماط من التدين فيها قدر من الاستقلال، حتى تكون المصلحة مصالح! والقضية قضايا! فيقوم الفرد والجماعة مقام الأمة. وقد يعظم هذا الانفصام حتى تدخل المجتمعات في تجارب قاسية ومضرة، على نحو رأيناه في عقود مضت. وهذا يستدعي، بطبيعة الحال، ضرورة إعادة التقييم بين الدعوة والدولة بما يعود نفعه، أولا، على المجتمع المسلم وخصوصيته الدينية، ثم على حفظ قيمه وقضاياه المشتركة ومصالحه الجامعة.
يمثل نمو التدين الفردي في مجتمع من المجتمعات، بعيدا عن أدبياته وثقافةِ عموم أفراده، مظهرا سلبيا على مستوى الدعوة؛ إذ تضعف الجهود وتتبدد الثمرة، وتتعدد الاجتهادات في مساحة واحدة. فمن مظاهر تدين الفرد تنتشر أنماط مختلفة من السلوك، قابلة للتأثر السلبي أحيانا. من ذلك ما نراه من عزلة شعورية يعيشها بعض الأفراد، كتعبير عن ضعفٍ في التدين يرونه في مجتمعاتهم، مع ضعف القدرة على التغيير. وهذا، بطبيعة الحال، يستدعي ضعف الفاعلية أو انعدامها على مستوى المجتمع. وقد تقرر في حكم الواقع، أن المجتمعات تتمايز بمقدار ما تحققه من انسجام بين أفرادها وشرائحها؛ حيث ينعكس ذلك على قوة المجتمع وظهوره. وهذه مسؤولية عامة، تبدأ من المسؤول مرورا بالجماعة وانتهاء بالأفراد. وفي مقابل ذلك، فإن الاختلاف والتنافر مضعفان للمجتمع، ومؤثران في قدرته.

*كاتب أردني

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock