أفكار ومواقف

كل إنسان مهم حقاً بما يبرع فيه..!

يُلاحظ بعد ظهور نتائج قبول خريجي الثانوية في الجامعات أن أولياء أمور الطلبة الذين قُبلوا في كليات الطب هم الذين ينشرون هذه المعلومة أكثر ما يكون – بافتخار جذِل- على وسائل التواصل الاجتماعي. وبدرجة أقل، يفعل أهالي المقبولين في كليات الهندسة، وربما الصيدلة. وفي المقابل، كان من النادر تقريباً أن ينشر أحد–بنفس الحماسة على الأقل- عن قبول أبنائهم في تخصص الاجتماع، أو الجغرافيا، أو التربية. وقد نتذكر من أيام الجامعة وجود شيء من “الطبقية” في التخصص، والتي لم ترتبط بشيء عملي بقدر ما ارتبطت بعلامة التوجيهي التي حددت التخصص في الغالب. وبذلك، كان صاحب الطب أو الهندسة، أعلى “طبقياً” من صاحب إدارة الأعمال مثلاً، الأعلى طبقة من صاحب الرياضة أو الاجتماع، وهكذا.
بعد كل هؤلاء يأتي الذين تُرسلهم علاماتهم إلى المعاهد المهنية ليدرسوا التكييف والتبريد، أو الحِدادة أو النجارة والكهرباء. وبعد الجميع، هناك الذين لم ترسلهم علاماتهم إلى شيء من التعليم المقنَّن، فذهبوا إلى تعلُّم المهن في الورش والمصانع أو اشتغلوا بواحدة من مئات الأعمال، اللازمة كلها وبلا استثناء لحياة المجتمع وحيويته.
ربما ارتبطت هذه التصنيفات أيضاً بشيء غير كونها تعبيراً عن كمّ الموهبة الفردية والنظرة المجتمعية إلى التعليم بحد ذاته في عَين مجتمعات فلاحية/ بدوية متعطشة إلى التعليم؛ أعني، مقدار الكسب المادي المتوقع من مزاولة المهنة المعنيَّة، والذي سيحدد بدوره الطبقة على أساس الدخل. كان الطبيب والمهندس يكسبان حتماً أكثر من معلم المدرسة –المهنة التي تستوعب معظم خريجي الجغرافيا والتاريخ والتربية والاجتماع- أو الموظف في شركة. لكن الكثير مما يرتبط بهذا المتغيّر تغير، ولم تتغير التصنيفات، بدليل مشاركات “فيسبوك” عن تخصص الأولاد.
مثلاً، لم يعد الطب والهندسة يضمنان الحصول على دخل كبير، وسيتطلب البدء في الكسب منهما من الأساس مضي وقت طويل من الدراسة وتخصص التخصص ومراكمة الخبرة. وإذا احتاج الواحد منا إلى “صنايعي” يصنع له شيئاً في بيته، فسوفَ يختبر كم يمكن أن يكسب أصحاب هذه المهن إذا أتقنوها، في وقت مبكر من العمر وبلا كل ذلك الوقت والمصاريف وتأخر الإثمار. ومع ذلك، سيقول الأهل: “تقدم لخطبة ابنتنا دكتور” بطريقة مختلفة عن موظف بنك أو حتى صاحب ورشة ميكانيك سيارات، ربما يكسب المئات من الدنانير في اليوم!
في الحقيقة، سوف تظل الإجابات نسبية ومدفوعة بمختلف الدوافع لدى الإجابة عن سؤال مثل: مَن هو الأهم للإنسانية، أبقراط وجالينوس الطبيبان، أم أرسطو وأفلاطون الفيلسوفان؟ وَمَن نتاجُه أكثر جوهرية: أحمد زويل الفيزيائي، أم نجيب محفوظ الروائي؟ وعند الحاجة، من سيكون الأهم: صاحب جائزة نوبل في عِلم أو أدب، أم الحِرفي الذي يصلح لنا صنبور مياه تالف أغرق البيت؟ وما حاجتنا إلى مشاهدة رياضيّ مبدع، أو الاستماع إلى موسيقي بارع، أو قراءة تحليل متبصر لما تصنعه بنا الجيو-سياسات، أو ملاحظة القيمة العملية لآراء عالِم اجتماع أو اقتصاد؟ وماذا لو لم يعلّمنا أحد عن التاريخ ويهدينا في مسالك الجغرافيا؟ وماذا لو لم يكُن في الحيّ صاحب البقالة وخباز والخُضري؟
في الحقيقة، كلُّ إنسان في العالم مهم بحد ذاته، ومهمٌّ بقدر إنتاجه فيما يعرفه ويبرع فيه. ومهما كانت المهنة أو التخصص، فإنّ صاحبهما يمكن أن يتميز ويكسب بقدر ما يلتزم بما يشتغل فيه ويشتغل على نفسه حتى يتقنه. وفي الحقيقة، لدى الناس مواهب مختلفة في مختلف الأشياء. ليس بالضرورة أن تكون للذي يصلح للطب الموهبة التي تتطلبها اللغات، أو الرياضيات، أو الفلسفة، أو كتابة الروايات، أو صناعة النوافذ والأبواب والديكورات، وهكذا. بل إن من أكثر الناس كسباً وشهرة اليوم الرياضيون، الذين يشتغلون بالموهبة والتمرين الجسدي ولا يرتادون المدارس والجامعات.
ربما يكون الأكثر استقبالاً للحفاوة واحتلالاً للمنصات هم المنظِّرون، الذين يُفترض أنهم يرسمون الطرق لمسير كل الآخرين. لكنّ عمل هؤلاء لن يكون له معنى متحقق من دون كل هؤلاء الآخرين الذين يشكلون المجتمعات القابلة للحياة. ولا بُدّ أن يقود أيّ تأمل في تقدير الأهميات إلى اكتشاف جور التصنيفات.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock