أفكار ومواقف

كل سنة والناس طيبون..!

نقول لبعضنا هنا في العيد “كل عام وأنت بخير”، “كل سنة وأنت طيب”. وبهذه العبارات نتمنى لأحبابنا وأصدقائنا سنة أخرى يعبرونها أحياءً وسالمين. وكنا نقول هذه العبارات وأشباهها على سبيل “الكليشيهات” المحفوظة. لكن الأحداث التي تدور حولنا ينبغي أن تجعل هذه العبارات أكثر قصداً وأقل تلقائية، لأننا مسؤولون -في جزء خياراتنا الفردية على الأقل- عن كيفية قطع رحلة العام حتى العيد المقبل بسلام، في واقع مزروع بمصائد الموت والخراب.
يجيء العيد هذا العام منقوصاً كثيراً، لأن النجاة الشخصية لا تلغي كومة الهموم والقلق والأزمات التي نعيشها في الوطن، ولا تعفينا من ألم مشاهدة ما يحصل للناس في الجوار والعالم الذي أطبقت عليه شياطين الصراع والكراهية. وإذا كان ثمة فكرة في عودة العيد إلينا ونحن أحياء وننعم بقدر من السلام، فهي التفكير في صيانة هذه النعمة، ومساعدتنا الواعية في تحقيق أمنياتنا لمواطنينا بأن يعود العيد المقبل علينا وعليهم وهم ونحن بخير أيضاً. وفي الحقيقة، كان طبع البشر دائماً أن لا يعرفوا قيمة الأشياء إلا بعد ذهابها وحين يسبق السيف العذل. لكن علينا أن نخالف هذا الطبع كضرورة وجودية، وأن نعرف كيف نتدبر أمر مواصلة الملاحة في البحر المتلاطم القاتم، حتى يستطيع العيد أن يزور بيوتنا ونسقيه قهوتنا كما يفعل الآن، بينما غُلقت في وجهه الكثير من الأبواب في هذه المناطق.
هذا العيد بالذات، لفتني شيء في العبارة التي أحب أن أستخدمها من بين تهنئات العيد: “كل سنة وأنت طيب”. ربما أفضلها لأنها أكثر “فلاحية” ووداً، وأقل فخامة ورسمية من “كل عام وأنت بخير”؛ ربما لأن أبي كان يستخدمها وهو “طيب” قبل أن تنتهي رحلته في الحياة، أو ربما لأن هسيس “السين” في “سنة” أحنُّ من حرف “العين” المتعالي في كلمة “عام”! لكن هناك سمة دلالية ملفتة أيضاً في كلمة “طيب” في هذه العبارة، عندما نتأملها بشيء من القصدية في وقت يحتاج التأمل الواعي في المقاصد!
لهذه الكلمة معنى مزدوج. إنها تعني في الاستخدام الشعبي أن يكون المرء على قيد الحياة. فحين نقول لأحد: “كل سنة وأنت طيب”، فإننا نتمنى له أن يكون حياً ويتنفس هواء هذا العالم سنة أخرى. لكنها تعني شيئاً آخر نحن أحوج إليه الآن من أي وقت مضى: أن يكون الناس طيبين أيضاً، بمعنى طيب الخلُق والطباع والطويّة، وأن تَعمر قلوبهم مشاعر الشفقة والحب وتُقفر من الحقد والكراهية. وأحب شخصياً أن أستخدم كلمة لم أجد أفضل منها ترجمة لعبارة إنجليزية جميلة “Spacious Heart”: أن يكون للمرء “قلب رحيب”.
كما بينت لنا الأحداث وعلمتنا بقسوة، فإن الكائن “الطيب”، بمعنى كونه على قيد الحياة لكنه نافخ كير، يختلف كثيراً عن الإنسان “الطيِّب” حامل المسك، وصاحب القلب الرحيب. وقد اكتشفنا فجأة كم بيننا من “الأحياء” غير الطيبين، الذين يسيرون والموت في ركابهم والثكل على أيديهم، وقد مات فيهم مكونهم الإنساني وخلت قلوبهم من الشفقة. وإذا خلا الكائن من “الطيبة”، فإن وجوده الضار يصبح نظير الموت وقرينه وماهيته المتحققة. ولذلك، يصبح من المبرر أن يتمنى المرء لمثل هؤلاء أن لا يعود العيد وهم مثل الميكروب القاتل. وربما يكون أقصى ما يتمناه الطيبون لهؤلاء أن يستعيدوا إنسانيتهم الضائعة ويعودوا “طيبين” وقد تطهرت قلوبهم من السواد.
ليست الفكرة من هذه التأملات متصلة بـ”الوعظ”، خاصة بعد أن اختلط علينا هذا المفهوم، عقب أن أصبح مروجو الكراهية ومبررو الانتحار والقتل يخدعون بساطتنا متنكرين بمسوح النساك والمبشرين بالخير والأخلاق. إنني أكتب فقط من موقع المتمني الآمل، الملتمس -مثل كل الخائفين من هذا الهول- أن يحمل القادم لقرائي وأصدقائي ومواطنيّ جميعاً قدَر السلامة من دوائر الدهر. وأتمنى أن تخلو يومياتنا في العام المقبل مما أقلقنا من مظاهر العنف والتحريض والتمييز القاتلة، والتي لا تنم عن طيبة في مجتمع طالما انطوى على جوهر طيب؛ علّ كل سنة وعيد يعودان على بلدنا ومواطنينا وهم طيبون أحياءً وبخير، وطيبون بقلوبهم الرحيبة التي يعمرها الحب والسماح.
“كل سنة والجميع طيبون، وطيبون”!

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock