أفكار ومواقف

“كل شيء تمام”!

لا يمكن المرور سريعا دون وقفة تأمل وتحليل للنتائج التي أظهرها استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية الذي نشر أمس. ولعل مراكز القرار مدعوة أكثر من غيرها إلى إعادة النظر في مسار الإصلاح المتعثر، والانتباه إلى انخفاض منسوب الرضا السياسي والاقتصادي، في الوقت الذي تتأهب فيه الحكومة لرفع الأسعار قبل نهاية الشهر الحالي.
وتثير القلق إجابات عينة قادة الرأي في الاستطلاع. فبمقارنة ما كانت الحال عليه قبل ثلاثة أشهر فقط مع اليوم حيال سؤال: “هل تسير الأمور في الأردن في الاتجاه الصحيح أم الاتجاه الخاطئ؟”، كانت نسبة الإجابة سابقا بأن الأمور تسير في اتجاه صحيح 73 %، لتتحول إلى 44 % فقط. وهي تؤشر إلى أن منسوب الرضا حيال حكومة الطراونة ضئيل، ولم يصل إلى 50 % لدى قادة الرأي. وهذا عائد إلى الظرف السياسي والاقتصادي، والموقف من الإصلاح الذي رافق وما يزال تشكيل الحكومة، وبما يحكم سلفا على ضعفها قبل أن تبدأ.
ومن اللافت أن محافظتي الطفيلة ومعان جاءتا ضمن المحافظات التي لا ترى أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح. إذ كشفت النتائج أن نحو ثلث العينة فقط من محافظة الطفيلة قالت إن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، وتزيد عنها بنسبة طفيفة العينة من معان، وهو ما يؤشر إلى أن التهميش الذي يلف مدن الجنوب قد تم التعبير عنه في استطلاع الرأي. وفي التحليل، يمكن القول إن الاعتصامات التي شهدتها الطفيلة طيلة أشهر المطالبة بالإصلاح لم تكن معزولة عن حاضنة مجتمعية أكثر اتساعا، عبرت عن رأيها الغاضب حيال انحراف مسار الدولة عما هو مطلوب.
وضمن النسبة الآنفة على حكم مسار الأمور، فإن القوى السياسية والحزبية والنقابية والمدنية عموما تنظر إلى الحكومة بشكل سلبي، بينما لا يقف الى صفها إلا فئة كبار رجال وسيدات الدولة؛ أي ان تلك الفئة وهي المستفيد الأول من الدولة، ترى منفردة صوابا في مسار الحكومة.
ولأول مرة تسقط حكومة أردنية بشكل يدعو للقلق في سؤال القدرة على تحمل مسؤوليات المرحلة المقبلة. فالحكومات ظلت تحظى بنسب تتراوح بين 76 % و63 % منذ عهد عبدالكريم الكباريتي وحتى عون الخصاونة، بيد أن العينة الوطنية أجابت أخيراً على هذا السؤال بالإيجاب بنسبة 52 % فقط، وهو ما يشير إلى أن الثقة بالحكومة ضعيفة . ويتشارك في هذا الموضوع مع العينة الوطنية قادة الرأي الذين أخفقت الحكومة بالنسبة لهم وحصلت على نسبة 49 %. وعلى مر تلك الحكومات كانت الثقة بقدرات الرئيس تتراجع دائما كلما أعيد إلى منصب رئيس الوزراء؛ فالثقة بقدرة حكومة الطراونة الأولى بلغت 71 % بينما هي اليوم 52 %، وكأن الشارع يقول: لا تجربوا المجرب.
ولعل النتيجة الأكثر إثارة في الاستطلاع الصادم لمراكز القرار هي مقياس تفاؤل الأردنيين حيال مستقبلهم الاقتصادي للأشهر الستة المقبلة. فبينما كانت نسبة المتفائلين بمستقبلهم الاقتصادي 27 % في بداية الربيع العربي في شباط من العام الماضي، ارتفعت في منتصفه -بعد وعود الإصلاح- إلى 46 % ثم عادت إلى التراجع لمستوى 27 % في أيار الحالي. والمعنى هنا واضح لا لبس فيه، ومفاده أن الأشهر الستة عشر من حديث الإصلاح أعادت تفاؤل الأردنيين إلى المربع الأول، وكأننا لم نفعل شيئا.
الاستطلاع يمنح فرصة للمراجعة والتصويب. ورأي العينة الوطنية وقادة الرأي يؤشر إلى وجود خلل يتسع يوما بعد يوم بين ما يريده الأردنيون وبين ما تقوم به الحكومة ومؤسسات الدولة، وبينهما تتكاثر تقارير سياسية واقتصادية وأمنية يعدها كثيرون ليثبتوا أن الأمور بخير “وكل شيء تمام”.

[email protected]

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock