أفكار ومواقف

كل عام في رمضان..!

يكتب منير بن وابر لمعهد واشنطن لدراسة الشرق الأدنى عن شهر رمضان في اليمن: “بالنسبة للمسلمين، يمثل شهر رمضان أحد أكثر الأوقات تكلفة في السنة. ستنفق العديد من العائلات ما يصل إلى ضعف نفقاتها المعتادة خلال شهر رمضان، مع مزيد من الإنفاق لشراء الملابس وغيرها من احتياجات عيد الفطر، الذي يحل نهاية شهر رمضان، مثل اللحوم التي يتم تناولها والتبرع بها أثناء العيد كأحد الشعائر الدينية للعيد”.
هذا مظهر واحد فقط من مظاهر رمضان، والذي يلخص الكيفية التي يحول بها الناس الشهر الروحاني إلى مناسبة للاستهلاك المادي والهدر والإثقال على أنفسهم. لكن رمضان يأتي مصحوباً أيضاً بجملة من الظواهر الأخرى. على سبيل المثال، تلتئم اللجان الحكومية وتضع الخطط لمراقبة التجار الذين يرفعون الأسعار مستغلين ارتفاع الطلب؛ ولتنظيم السير ومحاولة التقليل من الازدحامات المرورية والحوادث التي تكثر في الشهر الفضيل وتكون مميتة أحياناً. وكذلك، يرتفع منسوب العصبية واحتمال نشوب المشاجرات، سواء في الشوارع أو في المنازل.
في هذا الشهر أيضاً، تُعرض بوضوح أنواع من تناقض الشخصية الاجتماعية والفردية، بالإضافة إلى ضبابية هوية الدول. على مستوى الأفراد، نرى أشخاصا متدينين بشكل عام، يتقمصون –مؤقتاً لمدة شهر فقط- هيئة النُساك والواعظين. ومع ذلك، يتصرفون بمزيج من التنمر والعصبية والحشرية في شؤون الآخرين، وكأنما أكسبهم صيامهم سلطة عجيبة وأحقية مطلقة. ويعرض المجتمع أيضاً مزيجاً من الورع، والإسراف، والاستعراض، وتضخم الرقابة على الأفراد واختياراتهم. وعلى مستوى الدول، لا تعود تعرف هل الدولة المعنية دينية تفرض على الناس الممارسات الدينية وتعاقبهم على تركها، أم هي مدنية أم علمانية، أم بين هذا وذاك.
لا شك في أن لرمضان جمالياته وانحيازه عن الإيقاع الرتيب لبقية العام. لكنَّ الناس ابتعدوا به عن الروحانيات وعلاقة الفرد بالخالق إلى الماديات والعوارض دون الجواهر. وفي حين يتحدث الناس عن حرمة الشهر الفضيل، فإنهم يقصُرونها على ترك الطعام والشراب في العلن باعتبار ذلك يمس الشعور العام، بينما تشيع في الفضاء العام جملة من التصرفات السلبية الموجبة للانتقاد والتي تكثر في رمضان دون غيره. ولعل من أوضحها “العصبية الفردية والاجتماعية” بالمعاني الحرفية والمجازية.
إذا كان الناس قد حولوا طقس الصيام من ممارسة روحية عميقة المعاني إلى عادة اجتماعية مسطحة، فقد ترافق ذلك مع عدم عناية المفكرين بعقلنة الفهم النظري للصيام كعبادة وعلاقة خاصة بين الفرد وخالقه، والتي لا علاقة أساسية لها بإرادة الآخر ولا تصوراته واختياراته. ونتيجة لذلك، يُفرد الصيام دون غيره بين بقية الفرائض لكي يُخص بالعقاب الدنيوي وتدخل المجتمع والدولة، بينما لا ينطبق مثل ذلك على الصلاة والزكاة. ويلمح ذلك إلى انتقائية غير محسوبة في تحديد وظيفة الدين وعلاقته بالدولة المعنية في العصر الحديث. وفي العادة، تضطلع الدول والتكوينات الدينية الأيديولوجية بالتدخل في حرية الفرد في ممارسة العبادات ومعاقبته على تركها، وليس الدول التي تفترض في نفسها الفصل بين الدين والدولة.
لعل من أبلغ العبارات التي تعبر عن وظيفة الأديان بالحياة، تلك العبارة الموجزة في كلمتين: الدين المعاملة. وهو كذلك لأن الفرد لا يستطيع أن يدعي الورع إذا كان تعامله مع الناس غير قويم. وإذا كانت غاية الأديان هي ضبط الأخلاق وتطهير النفس من الطمع الشرور وإيذاء الآخرين، فإن كل ما يتعارض مع ذلك ليس من الدين في شيء. ويؤكد على ذلك الحديث النبوي الشريف: “إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.
يُفترض في رمضان أن تكون الشوارع أكثر أماناً والناس أكثر تسامحاً وهدوء بال. ويجدر بالأفراد استثمار المناسبة لمراجعة الذات وتصحيح الأخطاء وكفّ الأذى عن الناس، والتركيز على التواصل الروحي مع الخالق تعالى بدلاً من العدوانية والاشتغال بالآخرين بدعوى الصيام. وكان ينبغي أن يكون رمضان مناسبة لتراجع المخالفات وإظهار مزيد من الانضباط والقدرة على ترويض النفس، لا أن يتطلب تشكيل اللجان ووضع الخطط، وكأنما الناس يقبِلون على حدَث غير طبيعي أو حرب. ولمن يتذكّر، لم تكن هذه الظواهر موجودة في رمضان قبل بضعة عقود حين كانت الأمور أبسط وأروح، عسى أن تعود كذلك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock