أفكار ومواقف

كل عام ونحن بخير.. شعوبا

قتلتنا الأمة، أو للدقة اختطافها منذ عقود طويلة، وتحويلها أفيوناً للشعوب العربية، مع إصرارنا على إنكار ذلك! إذ باسم الوحدة والقومية العربية، قُدم الجزء الباقي من فلسطين على طبق من ذهب لإسرائيل في العام 1967؛ وفوقها “هدايا مجانية”، لاسيما هضبة الجولان السورية. وباسم الأمة المغتصبة من أنظمة “عروبية قومية”، صارت الجولان نسياً منسياً، إلا حين يريد محتلوها الإسرائيليون تذكرينا بأنها جزء لا يتجزأ من دولتهم.
لكن بعد عقود الهزيمة والخيانة، وفوق التحلل من أدنى خجل، ناهيك عن مراجعة كل التاريخ الماضي البائس، فإن مهمة الغالبية العظمى والساحقة من القوميين لم تعد تحقيق الوحدة والتحرير؛ بل العكس! فبعد أن اقتصر ظهورهم النادر ومواقفهم على تأييد قتل الشعوب فحسب، لم يعد لديهم اليوم صوت يعلو على صوت الدفاع عن احتلال أوطاننا الذي تعدد “أبطاله”!
هكذا لم تكف سيطرة إيران على العراق، وما ارتكبته وترتكبه من مجازر طائفية، وحتى جرائم غير طائفية بحق كل العراقيين؛ سُنّة وشيعة. بل صار مدعاة للاحتفال أيضاً تمددها بالجرائم ذاتها إلى سورية وسواها. تماماً كما صارت روسيا بكل تاريخها وحاضرها الوثيق مع إسرائيل، المخلص القادم للأراضي العربية السليبة! حتى وإن بات واضحاً اليوم بشكل نهائي وحاسم أن الروس، كما الإيرانيون، لا يرون إلا العرب غزاة في المنطقة، بما يوجب التخلص منهم بكل طريقة ممكنة.
اليوم، باتت أقصى أمانينا أن نبقى شعوباً. وكان يجب أن يكون هذا هدفنا منذ عقود؛ أقلها منذ الخيانة الأولى لمعنى الأمة وغاياتها النبيلة، على يد قوميين لم يقدموا للشعوب العربية، أنظمة ونخباً، إلا الهزيمة، فالموت والتخلف، وصولاً إلى التقسيم لأجل زعماء خالدين بهزائمهم وفسادهم وطغيانهم فحسب.
والعودة إلى الانتماء للشعب، ليس يتعارض مع الأمة أبداً؛ بل هو يعني أولاً وأخيراً انتماءنا لإنسانيتنا. وبالتالي التزامنا بمبادئ الحق والعدل تجاه كل من يشاطرنا هذه الإنسانية، فكيف إن شاطرنا العروبة و/ أو الدين و/ أو الجوار. تُرى، هل عشقنا نلسون مانديلا لأنه اشترك معنا باللون أو الدين أو الثقافة؟! باستثناء أولئك الذين يحددون موقفهم وموعد استحضار إنسانيتهم المزعومة وحجبها بناء على هوية الجلاد وليس عذابات الضحية، فقد عشقناه مع أغلبية العالم فقط بحكم إنسانيتنا السوية.
لنجعل من كل عيد لكل “فئة” من مواطنينا عيداً وطنياً للشعب ككل، فنضمن بذلك، فعلاً وليس محض أمنيات، أعوام خير دائم قادمة. ورغم الجدل البائس لمن يريدون تقسيمنا أقليات وأغلبيات، ثم تجزئة الحق في الحياة والكرامة بناء على ذلك، فإن الدرس الأول والأخير الباقي للربيع العربي، أسوة بدروس كل التجارب الإنسانية التاريخية والمستقبلية، هو أنه إما أن نعيش سوية أو نموت سوية، لأن الكرامة والحرية لم ولن تقبلا التخصيص والحصرية إن بطبقة أو فئة أو أقلية أو أغلبية.
فكل عام ونحن بخير.. شعوباً. ويومها سنكون حتماً بخير.. أمة وبشراً.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock