ترجمات

كل ما تغرِّده يمكن أن يُستخدم ضدك

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 27/3/2021

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

كانت الأمور تبدو وردية لأليكسي ماكاموند. فقد تم تعيينها، وهي المرأة السوداء، التي تبلغ من العمر 27 عاماً، رئيسة تحرير لمجلة “تين فوغ” بعد فترة ناجحة من العمل كمراسلة سياسية مع “آكسيوس”، وهي وكالة إخبارية بواشنطن. وكانت “تين فوغ” قد أصبحت صوتًا غير متوقع للمقاومة في عهد دونالد ترامب، حيث جمعت بين النصائح الخاصة بالماكياج والحجج الداعية إلى تعزيز رعاية الطفل الشاملة. وكان من المقرر أن تقود ماكاموند المجلة وتدخل معها سنوات بايدن.
لكن تمردًا في غرفة الأخبار أنهى فترة ولايتها قبل أن تبدأ. فقد كتبت مجموعة من الموظفين رسالة يحتجون فيها على تعيينها بسبب العديد من التغريدات التي كانت قد كتبتها قبل عشر سنوات، عندما كانت هي نفسها مراهقة. وفي تلك التغريدات، ذكرت ماكاموند أنها تبحث في غوغل عن كيفية تجنب الاستيقاظ “بعيون آسيوية منتفخة”. واشتكت من عدم وجود تفسير لعلامة سيئة نالتها في مادة الكيمياء: “شكرًا جزيلاً لمساعِدة التدريس الآسيوية الغبية جداً”. وكانت قد اعتذرت عن هذه التعليقات في الماضي، لكن جريمة قتل وقعت في جورجيا في 16 آذار (مارس)، كانت ست من ضحاياها الثمانية من النساء الآسيويات، جعلت تلك التغريدات تبدو أسوأ. وبعد يومين، ذهبت ماكاموند إلى “تويتر” مرة أخرى -لتقول إنها وافقت على التخلي عن الوظيفة في “تين فوغ”.
كان هذا بالكاد أول مسار مهني ينقلب رأساً على عقب بسبب تغريدات قديمة. كان من المفترض أن تصبح نيرا تاندين رئيسة لمكتب الإدارة والميزانية في إدارة جو بايدن. لكنها كانت قد كتبت، بصفتها رئيسة لمركز أبحاث يسار الوسط، تغريدات وصفت فيها أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين بأنهم “الأسوأ”، وبأنهم “خديعة” و”أسوأ عدو لأنفسهم” وما شابه ذلك. وقد حُرمت هي أيضا من منصبها الجديد. كما أن جيمس جان، مخرج أفلام الأبطال الخارقين “حراس المجرة”، طُرد (ثم أعيد توظيفه بعد ذلك) بسبب نكات بلا
طعم -كان قد غردها منذ عقد أو أكثر- حول الاعتداء الجنسي على الأطفال وهجمات 11 أيلول (سبتمبر). هذا ناهيك عن الأشخاص الكثر الأقل شهرة الذين تعرضوا للفضيحة والعار في مجتمعاتهم بسبب تغريدات مسيئة.
لماذا تستمر التغريدات في إفساد حظوظ الناس؟ قد تكمن الإجابة في طبيعتها الهجينة. في الشكل، تكون لغة وسائل التواصل الاجتماعي مكتوبة -لكنها، في الأسلوب، أشبه بالحديث الشفهي. ويشجع الحد الأقصى لعدد الأحرف في “تويتر” على التغريد بدفعات قصيرة تشبه الكلام، ثم يتم ربطها معًا في شبه محادثات. ويكتبها الناس كما يتحدثون، مستخدمين شذرات الجمل، واللغة العامية، وأحرف التهجئة غير القياسية (لتعكس طريقة النطق) وما إلى ذلك. ويستخدم علماء اللهجات موقع “تويتر” لدراسة التحولات في المفردات والقواعد والاستخدام؛ وتُظهر الأبحاث أن لغة التغريدات تقلد عن كثب الأحاديث الشفوية. وأخيرًا، يكافئ “تويتر” الصفات نفسها التي يتم تقديرها في الكلام العادي: العفوية، والشخصية، والذكاء.
في سعيهم إلى تحقيق هذه الأهداف، غالبًا ما يخطئ الناس العلامة، وهو أحد الأسباب التي تجعل المنصة تستضيف الكثير من التهور، والبحث عن الاهتمام، والفكاهة التي تضل الطريق. ومع ذلك، قد يتم تقييم التغريدات مثل الكلام، لكنها تُعاقب مثل الكتابة. وقد تبدو المشاركات وكأنها ستختفي في نهر يتدفق إلى ما لا نهاية، ولكن ما لم يتم حذفها فإنها ستبقى إلى أجل غير مسمى. وتزداد احتمالية التقاط التغريدات الغبية لشخصية عامة من خلال صورة للشاشة، وبذلك حتى الحذف لن يساعد (بل إنه قد يوحي بضمير مذنب). وفي الأيام التي أعقبت انسحاب السيدة ماكاموند، جعل العديد من منتقديها في “تين فوغ” حساباتهم على “تويتر” خاصة. واتضح أن أحدهم كان قد استخدم نعتاً عنصريًا لمخاطبة صديق (أبيض) بمرح في العام 2009.
كيف سيتكيف المجتمع مع هذا التكوين الجديد الهجين من النص والكلام؟ إحدى النظريات هي أن الأكثر امتثالًا أو تجنبًا للمخاطرة هو سيكون الوحيد الذي سينجح بالعيش في نوع من ديستوبيا اليقظة. وسيكون الباقون عرضة لاكتشاف تغريدة محرجة في كتالوج الماضي المتزايد باستمرار. وثمة نتيجة ثانية محتملة هي الأمان في الأرقام. سوف يتجاوز الكثير من الناس (بمن في ذلك أعضاء مجموعات الأقليات) تلك الأشياء المحرجة التي يريد المرء أن يخفيها على أنها أشياء حتمية لا مفر منها. وفي هذا السيناريو، يقبل المجتمع بفكرة أن كل شخص لا بد أن يكون قد قال -بشكل أو بآخر- أشياء تدعو إلى الندم، وأن التغريد، على الأقل في بعض الحالات، كان مجرد غلطة في التصنيف.
للأسف، يبدو أن هذا الإجماع ما يزال بعيد المنال. وهنا تأتي الاحتمالية الثالثة: أن يتعلم الناس الاحتفاظ بنكاتهم المحفوفة بالمخاطر في وضع “أوف لاين”، مدركين أنها حتى لو بدت ملاحظات بالعامية، فإنه يمكن استدعاء التعليقات المسيئة المكتوبة بالأبيض والأسود والحكم عليها بهذه الطريقة. وسيكون من شأن هذا الاختيار يجعل “تويتر” باهتًا كثيرًا ومملاً. فالعفوية هي أصل جاذبيته. ولكن، كلما خرجت المزيد من الحيوات المهنية للناس عن مسارها، زاد عدد الآباء الذين يحثون أبناءهم على الاهتمام بلغتهم عبر الإنترنت، تمامًا كما كانوا يوصونهم منذ فترة طويلة بتوخي الحذر مع الغرباء.
كان الكلام البشري موجودًا منذ عشرات الآلاف من السنين على الأقل، ووُجدت الكتابة منذ حوالي خمسة آلاف سنة. وقد احتفل موقع “تويتر” بعيد ميلاده الخامس عشر في 21 آذار (مارس). وقد يكون من منتهى الحكمة أن يخطئ المرء في جانب الأشياء المملة فقط، إلى أن تستقر المعايير.

*Teen Vogue هي مجلة أميركية على الإنترنت، كانت مطبوعة سابقًا، وتم إطلاقها في العام 2003 كمنشور شقيق لمجلة “فوغ”، وهي تستهدف الفتيات المراهقات. وتتضمن، مثل شقيقتها، “فوغ”، قصصًا عن الموضة والمشاهير والجمال.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Whatever you tweet may be used against you

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock