أفكار ومواقفرأي في حياتنا

كما لو كان عربياً

يموت العربيّ إذا كان في المكان الخاطئ أو في المكان الصحيح. يموت حين يرتفع مؤشّر الأمان، وأمام شاخصات التحذير من مرور الإبل، وانحدار كتف الطريق. يموت العربيّ في تصادم القطارات الغبيّة، التي يقودها سائقون أذكياء، وتحت شرفة معلقة منذ ألف وأربعمائة عام، ووراء الطوفان وبعد نبأ وقف إطلاق النار، وفي أول أيام عيد الأضحى.
في المقهى يمكن أن يموت العربيّ أثناء قراءة خبر مفصّل عن المجزرة، وفي دار الأوبرا الموت ممكن أيضاً بتماس في الكمان الكهربائي، وفي السينما الموت متاح مع البطل إذا انحرفت السيارة الملغومة. في “المسرح العربي” يمكن أن تسبب شمعة لمكافحة الظلام، حريقاً مروّعاً يموت فيه الممثلون والمتفرجون قبل الموت المكتوب في نهاية العرض.
الحرّ هنا قاتل، والبرد قاتل، حتى في الربيع، في الطقس المعتدل، يموت الأطفال في رحلة مدرسية. لا السلم هنا آمن ولا الحرب، حتى في زمن التفاوض يمكن أن تحدث مجزرة عن طريق الخطأ، ويُنشر اعتذار بمقاس محدود في الجريدة الرسمية. هنا يمكن أن تموت عند ساعة متأخرة أو متقدمة.. قبل الأجل.
يموت العربُ جماعة في طريق كربلاء أثناء شعائر الأسى، ويموتون في منشأة الجمرات بالتدافع على رجم إبليس، وفي الكنيسة يُقتلون بعبوة أعدّتها فتوى بدائيّة. يموتون في ملعب بورسعيد عقب صافرة مشؤومة للحكم، وبحزام ناسف في ثلاثة أعراس للتكاثر. حتى في الجنازة يمكن أن يموت العربيّ ويسبق الميّت الأصليّ، وتجمعهما “فاتحة” واحدة.
إن لم يمت العربي صباح هذا اليوم في حادث مؤسف، فسيلقى حتفه، أو مصرعه، في ظروف غامضة أو واضحة، سيهلك وسيلقى الردى، فكل الطرق المعبّدة والصحراوية تؤدي إلى المَمات والمَنون والمَنية والمَوات. هكذا يبدو أن الموت يتكلم العربيّة الفصحى، ما ألهَمَ امرأة إيطالية أن تقول في وصف مقتل ابنها: قتلوه كما لو كان عربياً.
الميناء في كلّ اللغات الحية أو المندثرة هو الوصول والسلام والأمان. تستريح فيه السفن المُتعَبة من مزاج البحر المتقلب، ويذهب الركّاب إلى المدينة للتبضع وشرب المثلجات وربّما التزاوج. الميناء هو المرسى، وجمعه مراس، فيه الرسو، والمرساة، وكلها تراكيب لغوية مريحة تصلح للنوم الآمن، إلا في بلاد العُرْبِ، فلا مأمن للحذر.

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
44 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock