أفكار ومواقف

كم قتل الرجل الأسود في البيت الأبيض؟

شكلت الولايات المتحدة الأميركية في ثورتها، منارة معرفية ومجالا حيوياً لتطور أفكار الحريات العامة والحريات الشخصية والديمقراطية، وغيرها من القيم التي رسخها الآباء المؤسسون. وما تزال هذه القيم تشكل القاعدة التي تستخدمها “واشنطن” لتبرير غزوها للعالم. علماً أنه نتيجة لسيطرة شركات التبغ والنفط، في بدايات القرن الماضي، فقد أصبحت تلك القيم في مهب الريح.
ودخلت على خطوط تشكيل معالم أميركا الجديدة، شركات الأسلحة والأدوية، لتحدد مصير هذا البلد العجيب التركيب والنشأة، وتنزع منه فكرة “الإنسان” على الصعيد الوطني والدولي، على الرغم من أن فكرة المواطنة الجديدة التي أرست دعائمها القيم التي قامت عليها الإمبراطورية الأميركية، استطاعت مزج كل الأعراق والأديان والقوميات في مصنع الإمبراطورية.
الصراع ما يزال قائماً على منظومة القيم التي جاءت بها الثورة الأميركية، والقوى المحافظة ورأس المال. والنتائج محسومة لصالح هذه القوى الممثلة بحزبين وحيدين “الديمقراطيين” و”الجمهوريين”، وحتى نوعين من المشروبات الغازية؛ بحيث أن فكرة الحزب الثالث، “الخضر” مثلا، أو المشروب الغازي الثالث، يكاد يكون وجودهما معدوما. رغم أنه اتيحت لي الفرصة لمقابلة أحد قيادات الحزب الثالث، على شواطئ لوس أنجلوس، وهو ينتعل صندلاً وثيابا عادية، في مقهى بسيط، يشبه مقهى “الغندور” على شاطئ العقبة. في حين كانت مكاتب الجمهوريين والديمقراطيين الفارهة، تعج بالنساء والرجال الأنيقين الذين يلبسون البدل والساعات الفاخرة.
إذن، نحن أمام ثلاثة أنماط من الناس في المجتمع الأميركي. ولكننا لا نعرف النمط البسيط والطيب الذي يعج به هذا الكل الأميركي، بل نعرف فقط الشكل المتوحش للرأسمالية الأميركية، التي أخذت تعبيراتها في الحزبين الحاكمين!
باراك أوباما؛ سيد البيت الأبيض الذي سحب قواته من العراق، بدا في خطابه الشهير في جامعة القاهرة، المُنهي لمعاناة العالم والعرب من الجور الأميركي في المنطقة. لكن الرهان كان على جواد ليس خاسرا، بل جواد محكوم بغير القيم التي قامت عليها الثورة، رغم لونه الأسود الذي لولا هذه القيم لما وصل إلى سدة الرئاسة!
المقارنة بين بوش؛ الأب والابن، وبين أوباما، مقارنة ظالمة. فهناك الحروب الهمجية التي شنها “البوشان”، والتي راح ضحيتها مئات الآلاف في العراق وأفغانستان. وتقتضي العدالة الحديث عن الآلاف من الضحايا الأميركيين نتيجة لهذه الحروب. أما أوباما، فسمحت له ثقافته وذكاؤه ومعرفته بالتاريخ، بوجود المستشارين والخبراء في تاريخ المنطقة، في النجاح في فتح باب الموت علينا من دون تكاليف بشرية باهظة، يتحمل وزرها كما حملها من سبقه. وأصبح إحصاء عدد القتلى والجرحى والمهجرين، ضربا من الخيال، ووسع دائرة القتل في كل المحيط العربي!
أوباما كان سيفاً مسلطاً على رقاب الملونين، وبحكم قرابة اللون معه. أينطبق عليه قول الشاعر طرفة بن العبد:
    وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضة
            على المرءِ من وَقْعِ الحُسامِ المُهنّد؟
لكن خدمة لمن؟

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. عن الرأسمالية المتوحشه
    الاستاذ جهاد المحترم , كل ما يمكن تعداده من ضحايا السياسة الامريكية في المنطقة ربما يدفعنا الى انتظار الانتخابات القادمة في العام 2016 لنصل الى ارقام دقيقه, اذ ان الحروب بالنيابة لم تنتهي بعد . انا معكم في عدم جدوى مقارنة ما فعله آل بوش بما فعله وربما سيفعله اوباما حتى ثمالة ولايته ,ولكن الا ترى يا سيدي رابطا بين العهدين , فالبوشيون فعلوها بتجاوز القانون الدولي الذي يتغنى به الجميع أما اوباما فمن المؤكد أن لونه لا علاقة له بالسياسة في البيت الابيض لكن نتائج غزوات البوشيونساهمت بالبحث عن رجل مرحلة جديدة يجنب الامريكان الخسائر المباشرة ومن هنا جاء عهد صانع الفوضى بالمنطقة , لاكمال ما بدأه البوشيون ولكن بايادي ابناء المنطقه حيث تسود الان مرحلة حروب الاخوة الاعداء بما تحمله من استعانة بقوى اقليمية او خارجية دون ان يراق الدم الامريكي هذه المرة . هل يمكن الحديث ايضا عن سياسة العصا والجزرة في العهدين؟ البوشيون والتدخل المباشر اي استخدام العصا واوباما الذي حاول ان يمحي في بداية عهده " ذكريات الالم " فتحدث عن فلسطين والاسلام ووعد باغلاق غوانتانامو ووصلت الامور الى ان المرحوم القذافي كان يخاطبه ب " ولدنا العزيز.." حيث توقع البعض غياب العصا وقدوم الجزرة.. وقد اوجزتم تماما ما فعلته سياسة الجزرة حتى الان. اذن هل يمكن ان نقول ان لعب الادوار واحد من علامات السياسة الامريكية؟وهل ستحمل لنا الرئاسة القادمة سيدة للبيت الابيض؟ما الفرق اذن ما دامت السياسة الامريكية الخاصة بالمنطقة تراهن على دوام فرقتنا وولع العديد من اقلامنا وافتتان العديد من قاماتنا بالبيت الابيض بغض النظر عمن يحل فيه؛ هل لنا ان نستذكر المثل القائل " من بره رخام ..". ومع كل التقدير لقلمكم المعطاء .

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock