أفكار ومواقف

كنا “عبيطين”


“غيفارا مات. آخر خبر في الراديوهات. وفي الكنايس، والجوامع. وفي الحواري والشوارع. وعالقهاوي وعالبارات. غيفارا مات. غيفارا مات. واتمد حبل الدردشة والتعليقات. مات المناضل المثال. يا ميت خسارة عالرجال. مات الجدع فوق مدفعه جوه الغابات. جسّد نضاله بمصرعه ومن سكات. لا طبالين يفرقعوا، ولا إعلانات”.


هكذا تعرّف جيلي إلى ثلاثة رجال دفعة واحدة؛ إمام أولا، ونجم، ثم غيفارا.


عندما صحونا من طفولتنا، كانت الثورة قد بدأت تضع رحلها لمصلحة سماسرة علموا أن الزمن يسير إلى نهاية معلومة، وأن القطار ينبغي أن لا يفوتهم، وهكذا وضعوا متاع الأمة في عربة واحدة، وراهنوا عليه بكل ما أوتوا من عمالة.


أتذكر أن التاريخ كان يسجل آخر شهوره من عقد السبعينيات من القرن الماضي، عندما اصطدمت، بلا تخطيط مني، بأغنية الشيخ إمام التي يرثي فيها، مع زميله الشاعر أحمد فؤاد نجم، المناضل الأممي آرنستو تشي غيفارا.


بعد ذلك بأكثر من خمسة عشر عاما، رأيتني أقف حائرا من جديد، مستعيدا وهج السؤال الوجودي الأول: هل ثمة فائدة؟! أذكر وقتها أنني أجبت بالإيجاب، وجددت الإقامة لأحباء كثر، من بينهم ذلك الثلاثي الغريب؛ اثنان ما يزالان على قيد الوجود، وثالث ظنّ أنه أدّى رسالته، فغاب غير هيّاب لشيء، سوى أحاديث نسوة، خشي أن يذكرنه بسوء في ساعة عصرية ما، حين تأتي سيرته، بلا ترتيب، في أحاديث شعوب ما تزال ترفل بالاحتلال وبالاستعمار رغم ألفية ثالثة نضعها على كواهلنا المتعبة.


جاءت “مدريد” تتمدّى أمام شبابيكنا العارية. حينها بكت “كمنجات” على عرب تركوا بلدا بكامل بهائه، ليستعيضوا عنه بطاولة “مستطيلة”.. تملك رئيسا ومرؤوسين!


لم نكد نفيق من لوعات بلد أسرنا بقصره الأحمر وأسوده الزائرة على الدوام، حتى حضرت “أوسلو”. قلنا وقتها إنها بلد بلا ذاكرة تجمعنا بها، فلتطلق لمخيلتها العنان كيفما شاءت، فلا شيء يمكن له أن ينتقص من أحلامنا المقبلات.. ولكن، يا إلهي.. بأسرع ما كنا نحتسب.. جاءت وادي عربة “مكللة” بتوقيعات كثيرة.. وبهزائم أكثر!


عندها حاولنا من جديد استعادة الثلاثي المحبب: إمام، نجم وغيفارا. فوجدنا “كلام عن الكلام” والتي تروي عن أن “مر الكلام زي الحسام، يقطع مكان ما يمر. اما المديح سهل ومريح، يخدع لكن بيضر. والكلمة دين من غير ادين، بس الوفا عالحر”.


لم نكن منذورين لأي فتح مقبل، فقد كانت الهزائم تترى من جبهاتنا. آمنا بأننا لسنا سوى “إمّعات” تتقلبها صروف الزمان الذي لا يشي بخير، لذلك لم ترضنا أغنية “غيفارا” الثورية. بحثنا عن كلمات أخرى ترضي وجداننا المتهالك، وما أسرع أن اهتدينا إلى العنوان المناسب: “كنا عبيطين”..


اخترنا العنوان، ولا شك سنهتدي إلى الكلمات التي تناسب هذا العنوان سريعا.


[email protected]

تعليق واحد

  1. لم نفقد البوصله
    يه…اين نحن الان ياصاحبي–قيدوا شمعه يا احبه ونوارولي همستين من رمش عين وبينداهولي….ربماقست الدروب وتشابكت وتعطلت لكنها في القلب تبقى البوصله

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock