صحافة عبرية

كنت أعتقد أن التنكيل بالشعب الفلسطيني مختلق

هآرتس

بقلم: هال فاينر

15/10/2019

في تشرين الثاني (أكتوبر) 1987 شاهدت في محل لبيع الكتب في تل ابيب منشورا طبعته منظمة احتجاج اسرائيلية في بداية الثمانينيات، ويظهر فيه جندي اسرائيلي وهو يضرب فلسطينيا، تحت عنوان “لا تقل إنك لم تعرف”. في تلك الايام كان قد مر عام على مكوثي في اسرائيل، سمعت قصصا عن امور فظيعة يتم ارتكابها في الضفة وفي قطاع غزة، لكني افترضت أنها مختلقة، أو على الاقل مبالغ فيها، المنشور استدعاني لأن أفكر بأنني ربما أخطأت.
بعد نحو شهر اندلعت الانتفاضة الاولى. وأنا سافرت لرؤية ما يجري على الارض. من البداية كان من الواضح أن الجيش يستخدم القوة المفرطة لقمع المظاهرات الحاشدة التي حدثت في الاشهر الاولى. والجنود لم يكتفوا بذلك وبادروا الى استفزازات أدت الى المظاهرات، كذريعة لاستخدام القوة.
في شهر شباط (فبراير) 1988 قمت بزيارة عائلة شاب ابن 17 سنة، تم ضربه حتى الموت في الشارع من قبل جنود. صور الجثة لم تترك أي مجال للشك. ومنذ ذلك الحين اطلعت على حالات كثيرة يصعب احصاؤها. لا يوجد يوم لم يستخدم فيه العنف الشديد في قطاع غزة والضفة الغربية. المراسلون الذين شاهدوا هذه الاحداث في المناطق بأم عينهم لا يشككون في الحقائق؛ المشكلة هي كيف يتم الابلاغ عنها.
مراسلون اجانب لاساميون يحتفلون بالطبع، لكن بالنسبة للمراسلين الجديين الامر أكثر تعقيدا. من الواضح أن تغطية موضوعية للاحداث ستتسبب بضرر كبير لصورة اسرائيل في العالم، لذلك ليس من الغريب أن ردود يهود الشتات على هذه التقارير هي صعبة. لذلك، ايضا المراسلون المتشددون أكثر يحاولون تخفيف لهجة تقاريرهم. ربما يصعب التصديق، لكن اغلبية التقارير في وسائل الاعلام الغربية عن الاحداث في المناطق لا تتم كتابتها بشكل مبالغ فيه، بل بلغة الحد الأدنى. ورغم ذلك، مراسلون غير يهود كثيرون يتهمون باللاسامية، ومراسلون يهود (أنا من بينهم) يتهمون بكراهية الذات.
لا يوجد أحد يشكك بحقيقة الوقائع التي أكتب حولها، ولا أحد يتحفظ من الاهمية التي أوليها لها. الادعاء السائد جدا، رغم أنه مصاب بشكل عام بكلمات لطيفة جدا، هو “أنت لا تعرف ما الضرر الذي تتسبب به. أنت توفر ذخيرة للاساميين”.
من المعروف للجميع أن كراهية اليهود تنبع من مواقف مسبقة، وليس مما يفعله اليهود أو لا يفعلونه. ولأن جذور اللاسامية مغروسة ليس في الحقيقة، بل في تشويه الحقيقة، أنا لا أعرف أي فائدة سيجنيها الشعب اليهودي من اخفاء أو تشويه الحقيقة. أنا غير مستعد للتنازل عن مبادئي بسبب لاسامية الآخرين. الحديث هنا لا يدور عن كراهية الذات، بل عن احترام الذات.
بالنسبة للوقائع، لا يوجد شك بأن هناك جنودا يتبعون ضبط النفس في حالات صعبة جدا. ولكن مع ذلك يوجد منهم عدد غير قليل يتجاهلون كل معايير السلوك المرتقب من جيش متنور، وفقط في حالات نادرة يطلب منهم دفع ثمن افعالهم. لذلك، هم يتسببون في خرق حقوق الانسان بطريقة فظيعة في المناطق. اشخاص يتم اطلاق النار عليهم بدم بارد، يصابون ويقتلون، هذا عمل روتيني. اشخاص يتم سجنهم بدون محاكمة ويتلقون الضرب والاهانة من الجنود. حسب رأيي، كل مراسل، سواء كان يهوديا أم غير يهودي، لا يوجد أي خيار عدا عن الكتابة عن الاحداث التي تجري أمام ناظريهم. الحقيقة هي أن امورا كهذه، وحتى اكثر خطورة منها، ما تزال تحدث في اماكن اخرى في العالم، لا تبرر تجاهل ما يحدث هنا. وبصفتي يهودي أنا أشعر بالحزن. ولكن ما يقلقني أكثر هو أن حكومة اسرائيل التي لا تفعل أي شيء تقريبا من اجل تقويم الوضع تتفاخر بالعمل باسم الشعب اليهودي.
يهود الشتات هم احرار في مواجهة الوضع حسب تقييمهم، لكن يجب عليهم اتخاذ موقف. وحسب موقفهم لا يوجد أي مجال للادعاء بعدم المعرفة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock