أفكار ومواقف

كوتا الأحزاب والتمكين السياسي بين المثالية والحلول العملية

لقيت الكوتا التي ستخصص للأحزاب المرخصة في الأردن انتقادات من مستويات مختلفة ذهبت في بعضها إلى القول بعدم دستورية الكوتا، وأعادت مساءلة الكوتا المخصصة للمرأة وتفاصيل أخرى للمحاصصة، وتتحصن هذه المقولات وراء فكرة المواطنة الكاملة والمتساوية، إلا أنها تتناسى أن الفكرة ليست بالنضج الكامل وتعتريها شوائب كثيرة، بعضها يتعلق بأوضاع المرأة الأردنية ومساواتها في قانون الجنسية بالذكور الأردنيين، وهذا ليس انتقاصاً لما يحققه الأردن في مجال المساواة في الحقوق والواجبات فمختلف دول العالم تعيد مناقشة هذه الموضوعات بدرجات متفاوتة من الصراحة والمكاشفة.
أخذت مقولة التمييز الإيجابي تظهر في الأدبيات الاجتماعية والسياسية من نصف قرن تقريباً، وأثارت جدلاً كبيراً في عديد من الدول، وفي الأردن نمارس هذه الأداة عند الحديث عن المدارس في المناطق الأقل حظاً، وكانت نفس المسألة أثيرت في البرازيل سابقاً حيث طعنت بعض الجامعات في إجبارها على حصص مخصصة للفقراء وأصحاب الإعاقات والأفراد من أصول عرقية معينة، وأصدرت المحكمة العليا قراراً قاطعاً بدستورية هذه الحصص.
إذا كنا سنتحدث عن التمييز الإيجابي فعلينا أن نضعه في سياقاته الكاملة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وإذا كانت دول مستقرة في مفهوم المواطنة وممارساتها مثل الولايات المتحدة وألمانيا فالأولى أن تكون قائمة في الوضع الأردني الراهن.
أمامنا مسيرة كبيرة وستواجهنا محطات ناجحة وأخرى فاشلة، أما المطبات والعثرات فمن نافلة القول أنها متواجدة وبكثرة، ويحتاج الإصلاح جهداً عملياً بنفس برجماتي بعيد عن المثالية، ولتكن الأحزاب اليوم غير مؤهلة لتمنحنا الثمار المأمولة، فما هي الحلول الأخرى؟ هل يبقى الوضع على ما هو عليه؟
الكوتا الحزبية ستعمل على إعادة تنظيم الحياة الحزبية، ستضع الأحزاب أمام تحديات تخرجها من مساحة التنظير إلى الاشتباك الحقيقي، وستكون الانتخابات الثلاثة المقبلة شبيهة بالكراسي الموسيقية أو لنقل، مذبحة حزبية ستدفع بالحزب الذي يفشل في التمثيل والتأثير إلى البحث عن تكتل يخلق بنى حزبية جديدة أو انزواء كامل بالتفكك والانحلال.
نحن نبحث عن حياة حزبية، لا عن تمكين أحزاب معينة، فلا يوجد حزب أكبر من المنظومة السياسية، وفي الجوار قصة حزب العمل الإسرائيلي الذي لم يمكنه تاريخه العريض كأكثر حزب وصولاً للسلطة من تجنب مصير مؤسف كحزب هامشي صغير لا يؤبه له.
كما ويجب ألا نتناسى أن الأحزاب القائمة في الأردن هي نتاج لمرحلة كاملة نسعى لتجاوزها، وأن معظمها لن يستطيع الاستمرار، ولذلك يجب وضعها أمام اختبار حقيقي في المدى المنظور يغني عن الانتقاد العشوائي والتنظير المجاني الذي تمارسه والمظلومية التاريخية التي تحكيها.
لا يفترض أن تستمر الكوتا إلى الأبد، أي كوتا هي بطبيعتها مؤقتة، ولكن ما الذي يعنيه المؤقت في التاريخ؟ عقود من الزمن على أقل تقدير، ولنعترف بأن تمكين المواطنين الملونين في الولايات المتحدة هو مسيرة استمرت لقرنين بين ابراهام لينكولين إلى مارتن لوثر كينغ، وما تزال تتطلب المراجعة والتحسين.
إن مسؤوليتنا التاريخية هي الدخول في التفاوض الشجاع من أجل الإصلاح، وأن نتحلى بقدر كبير من العقلانية وطول النفس، والقدرة على مراكمة المكتسبات والتشبث بها، وإذا كانت النخبة القديمة والمكرسة تمتلك أدواتها ونقاط ارتكازها المتفوقة تاريخياً، فالنخب الجديدة عليها أن تبحث عن تشكلها القانوني والوجودي وليس في منظومة الحلول السياسية وسائل أخرى غير الأحزاب لبناء التوجهات والبرامج التي تتم محاسبتها من خلال عملية الانتخاب وتداول السلطة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock