;
تحليل إقتصادي

كورونا تضرب القوة الشرائية عالميا

لا شك بأن سعر السلعة التي اشتريتها العام الماضي لم يعد كسعرها اليوم ، وربما لن تثبت حتى الغد، فما هو السبب؟ هل الأسعار ارتفعت؟ أم أن القوة الشرائية هي التي انخفضت؟
التغير المتسارع في أسعار السلع يعود لأسباب عدة أهمها التضخم وانخفاض القوة الشرائية وتعطل سلاسل الإمداد في البلاد المنتجة جزئيا أو كليا لأشهر طويلة عن العمل، وذلك بسبب الاغلاقات والظروف التي رافقت جائحة كورونا، وعليه تراجعت كميات الانتاج والعرض، وارتفعت تكاليف الشحن والتأمين والمواد الأولية والوسيطة للإنتاج، إلى جانب ازدياد الطلب الكلي العالمي بعد فتح القطاعات عالميا مع ازدياد نسب التلقيح وعدم جدوى الاغلاقات في كثير من دول العالم لا سيما ذات النظام الصحي المتطور، والذي أدى إلى عدم قدرة العرض الكلي و سلاسل الإنتاج والشحن على مواكبة الطلب الكلي، الأمر الذي أدى غياب المنافسة وارتفاع الأسعار عالميا.
يعد التضخم الحالي هو الأسرع منذ الأزمة المالية عام 2008، بسبب قيام الحكومات العالمية بضخ حزم مساعدات في أسواقها المحلية بإجمالي يقدر بتريليونات، وتخفيض أسعار الفائدة لتحفيز الأسواق وتشجيع الاستهلاك للخروج من تبعات الاغلاقات بسبب جائحة كورونا، مما دفع الشركات والأفراد إلى السحب من ادخارات البنوك خوفا من تراجع العائد على تلك الادخارات بسبب انخفاض معدلات الفائدة، وأيضا خوفا من تراجع القيمة الشرائية على ضوء تسارع معدلات التضخم وارتفاع الأسعار مع ارتفاع الطلب الكلي العالمي، إلا أن حالة عدم اليقين السائدة في جميع المجتمعات العالمية بسبب الجائحة زادت من الطلب على العقارات والملاذات الآمنه مثل الذهب والسندات، وعليه غياب حوافز الاستثمار، الأمر الذي وضع خطط التحفيز الاقتصادي في مهب الريح.
التضخم، هو مصطلح اقتصادي يستخدم لوصف وقياس الزيادة في أسعار السلع والخدمات في بلد معين على مدى فترة زمنية معينة، وما يرافق ذلك من انخفاض في القوة الشرائية للعملة المحلية وتدني قيمتها مقابل العملات الصعبة أو مجموعة من السلع الأساسية، و زيادة في حجم النقود المتداولة في الأسواق المحلية.
إن شرائك لسلعة ما قبل عام بقيمة 50 دينار، قد تجدها اليوم بقيمة 60 دينار، هذه الزيادة في قيمة السلع نفسها (نفس النوع والكمية) باختلاف الفترة الزمنية يطلق عليها “التضخم” ويمكن تشبيه ذلك بـ (لص) يقوم بسرقة الاموال من جيوب المواطنين بنسب ضئيلة، ولكن خلال فترات زمنية متواصلة وطويلة، في حال لم يرافق ذلك ارتفاع بنسب الأجور، أو أقلها ارتفاع في الدعم الحكومي على السلع الأساسية.
للتضخم آثار سلبية عديدة منها انخفاض الأعمال التجارية والاستثمارية بسبب ارتفاع حالة عدم اليقين في المستقبل، ويؤدي ذلك إلى انخفاض القدرة والرغبة بالادخار بسبب انخفاض الدخل الحقيقي وما ينتج عنه من عدم المساواة في توزيع الدخل بين أفراد المجتمع على المدى المتوسط والطويل.
عربياً، يتوقع صندوق النقد الدولي معدلات تضخم مرتفعة في البلدان العربية خصوصا في الدول التي تعيش أزمات سياسية أو حروب مثل اليمن وليبيا، فيتوقع الصندوق نسب تضخم تتراوح بين 18% و31%. أما في لبنان وسوريا وبسبب التوترات الأمنية والاجتماعية التي فاقمت من تبعات جائحة كورونا فقد وصل التضخم إلى مستويات مفرطة تراوحت بين 50% و100% خلال السنة الماضية على صعيد السلع التي لا تدعمها الدولة أو رفعت عنها الدعم.
محلياً، ارتفع الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك بنسبة 1.61%؜ لشهر تشرين الاول من عام 2021 مقارنة بنفس الشهر من العام الماضي. وبحسب دائرة الإحصاءات العامة، فإن هذا الارتفاع نجم بشكل أساسي عن ارتفاع أجور الشحن العالمية وأجور النقل، وأيضا اللحوم والدواجن، بالإضافة إلى السلع الغذائية الأخرى أسوة بنظيرتها العالمية.
في الختام، قد تدوم تبعات جائحة كورونا لأعوام، الأمر المؤكد أن حالة عدم اليقين في الأسواق ستدوم مع تلك التبعات، لكن بالنسبة للأسعار فإن ذلك يعتمد على عوامل عدة إن كانت من طرف كورونا ومتحوراته أو من قدرة الحكومات وأدواتها المالية والنقدية والرقابية من تخفيف تلك التبعات على جيب المواطن.

ثامر الشرايعة
ماجستير اقتصاد الاعمال – الجامعة الأردنية

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock