أفكار ومواقف

“كورونا” فقد هيبته، ولكن..!

علاء الدين أبو زينة

بعيداً عن الإحصائيات الرسمية، يكاد المرء يجزم، حكما من مشاهداته، بأن كل بيت أردني تقريباً استضاف مرغماً فيروس «كوفيد19».

وبرغم كل الاحتياطات وأي التزام بالقواعد الصحية، تمكنت العدوى من اختراق الدفاعات وإصابة بعض من أكثر الناس بعداً عن احتمال الإصابة.

بذلك، يبدو أننا أصبحنا نألف «كورونا» بعد اختبارها عن قرب. وبعد شيوع متغير «أوميكرون» الذي يبدو أن أعراضه يمكن تحملها والقريبة من الإنفلونزا ويمكن التعافي منها، تراجعت أجواء الطوارئ الحربية التي سادت أيام الحظر الكامل والجزئي.

في تلك الأوقات، كانت الإصابة مرادفة المستشفى أو الحجز المؤسسي، والمتابعة الصحية والأمنية، وارتفاع احتمالات الموت.

والآن، قل الذين يناضلون بنفس الدأب والالتزام لتجنب الإصابة وهم يرون معارفهم وأقاربهم يُصابون ويتعافون. كما لم يعد التكتم على الإصابة والخجل من إعلانها وكأنها الخطيئة الأصلية لازماً، بعد أن قل الذين بلا خطيئة ويمكن أن يرموا الحجارة.

الآن، تنظر كثير من الدول، ومنها الأردن، في وجاهة التخفف من معظم الإجراءات المتبقية لمكافحة التفشي بعد أن أصبح التفشي غير المنضبط والعصي على الضبط هو القاعدة.

وأصبح الميل الجديد هو اختيار فتح الحياة والاقتصاد وتحمل الوفيات والإصابات التي تحتاج إلى دخول المشافي. وفي الحقيقة، ما يزال المرض يحصد الأرواح، ويتسبب لكثيرين بتداعيات مطوّلة أو أضرار دائمة في أجهزتهم الحيوية.

وما تزال الكثير من قطاعات العمل تعاني من المتاعب، وكذلك حرية التنقل والسفر. لكن، ما العمل؟

باختصار، أصبح العالَم يتقبل ما قاله بعض العلماء من أن «الفيروس جعل منى حمقى حقيقيين»، سواء باختراقاته المستمرة لدفاعاتنا، أو بإثبات سوء تقديراتنا أو إظهار هشاشة إجراءاتنا.

ولذلك، ربما يكون السبيل إلى تقليل رهبة الفيروس وسطوته هو تفكيك الدفاعات أمامه وتركه يشتبك مع كل الناس وليس مع المدافعين على الجبهة فقط.

وقد تفوز الكثرة في هذا الاشتباك المفتوح، سواء بتحقيق «مناعة القطيع»، أو بطمأنة الفيروس الذي يُفترض أنه لا يحب أن يقتل مضيفيه ومعيليه باعتبارهم فرصته الوحيدة للبقاء، عله يقل شراسة.

في الحقيقة، يكاد المرء يشك في حقيقة أن الفيروس ليس كائناً حياً. إنه لا يتصرف مثل حجر بقدر ما يتصرف ككائن أذكى من الإنسان نفسه.

ويبدو أنه أقنع الكثيرين، بتصرفاته التي تكشف عن ما يشبه استرشاد بغريزة بقاء قوية، على الأقل، بأن قبوله في العالم كمرض عادي هو أفضل ما يستطيع البشر تحقيقه.

وباستحضار النمط السلوكي الفيروسي النمطي، فإن تسهيل انتقاله بالعدوى وطرقه أبواب مضيفين أحياء سيكون توطيناً له في عالم الناس قادماً من عالم الحيوان. وهو نجاح كبير يساوي وجوده نفسه وينبغي أن يلطف هجومه.

مع ذلك، ما يزال هناك اقتراح بأن بالوسع القضاء على فيروس «كوفيد19» ربما في نهاية العام الحالي.

حبذا! لكن القضاء عليه ربما يعني فقط القضاء عليه كـ»جائحة» مع وجوده كمرض له لقاحات وعقاقير تخفف من أعراضه وآثاره. وهناك أيضاً كلمة للفيروس ظل يصر على قولها من باب «خالف تُعرف».

ربما يتطور في مكان ما، بطريقة عشوائية كما توصف تحولاته، لينجب متغيراً أشد عدوى وفتكاً ويعيدنا إلى المربع الأول. من يستطيع أن يزعم بثقة بالعكس على أساس «منطق» الفيروسات التي لا تقتل معيليها، كقاعدة؟

كانت الفكرة السائدة هي ضرورة تحصين أكبر عدد ممكن من البشر باللقاح لإعدام فرصة الفيروس في اختراق معيلين وبذلك إمكانية التحوّر. ثم تبين أن الملقحين يصابون ويستضيفون.

وفي الحقيقة، كان مصنِّعو اللقاحات أكبر المستفيدين من بين الأحياء، الذين جنوا المليارات من المصائب. وإذا كانت نظرية المؤامرة تنطوي على احتمال صغير للصحة، فإن استخراج المزيد من اللقاحات المطورة من جراب الحاوي ثم الأدوية لمرض توطن في العالم لن تقلل الأرباح.

على أي حال، ما تزال الوصية التي لا يضر اتباعها هي استمرار ارتداء الكمامة، وأخذ اللقاحات الموصى بها، وتجنب التجمعات والحشود غير المبررة، واعتزال المصاب في المنزل ومحاولة تجنب الإصابة للأصحاء.

كل هذا ضروري على الأقل لتقليل فرصة الفيروس في إيجاد مأوى للعيش والتحور إلى شيء قد يصعب التعامل معه. وسيكون هذا هو «التعايش» مع مرض فقد هيبته ورعبه إلى حد كبير.

المقال السابق للكاتب

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock