أفكار ومواقف

كورونا و”العامل س”..!

في العالَم الآن نموذجان للتعامل مع جائحة فيروس كورونا. ثمة دول سيطرت على الفيروس وقمعته في البداية ولم يعد إليها، حتى الآن على الأقل؛ وهناك التي حاولت السيطرة عليه وظنت أنها نجحت، لكنه عاد أكثر شراسة وانتشاراً. ويحيل أحد الآراء هذا الاختلاف إلى مسألة “الاستبداد” و”الليبرالية”. في الدول الشمولية، كما يقول هذا الرأي، التزم الناس بإجراءات الوقاية بالمراقبة والتخويف. وفي الديمقراطيات، لا يمكن استخدام سلطة الدولة لفرض الأشياء على الناس، ولذلك الالتزام الشعبي بالوقاية اختياري، والكثيرون لا يلتزمون فلا يمكن ضبط التفشي.
لكنّ هناك من يُحيل الاختلاف في التعامل مع الوباء إلى سلوك الأفراد. ففي دول آسيا التي تبلي بلاء حسناً ضد الفيروس، يلتزم الأفراد بالتدابير الوقائية بدافع من الثقافة الفردية–الجمعية بالضرورة في هذه الحالة بجمع الأفراد. ويكتب بيونغ تشول هان، الفيلسوف والأستاذ في جامعة برلين للفنون، عن هذه الفكرة: “عندما يتبع الناس طواعية قواعد النظافة، فإنها لا تكون هناك حاجة للضوابط أو التدابير الإجبارية، التي ستكون مكلفة للغاية من حيث الموظفون والوقت”.
ما الذي يجعل الناس يتبعون القواعد طواعية؟ إنه شيء يسميه وزير المالية الياباني “المعايير التي يعتنقها الناس”، أو “المستوى الثقافي. وتسميه اليابانية الحائزة على جائزة نوبل في الطب، شينيا ياماناكا، بـ”العامل س”، أو “المجهول س”. وهو ببساطة “التحضُّر”، أو “اللباقة”، البناء الأخلاقي/ السلوكي الذي يميّز الناس في بعض دول آسيا ويطبع المجتمعات.
كما يُلاحَظ هان، تفشل الدول الغربية، الليبرالية، في مواجهة الفيروس لأن لمواطنيها الحرية في إنكار المرض، واختيار تجاهل تطبيق الإجراءات الصحية الموصى بها لمواجهته، وإقامة الاحتجاجات لمعارضة إجراءات الإغلاق الحكومية. وفي حال لم تطبّق الدولة تدابير إجبارية، فإن الرهان على سلوك الأفراد للالتزام الطوعي يكون خاسراً، كما تبين. وقد عادت دول أوروبا وغيرها الآن إلى الإغلاقات الإجبارية لاحتواء التفشيات.
يطرح هذا التفسير لاختلاف السلوك الفردي والاجتماعي، ومعه السيطرة على الوباء، سؤال التحضر مرة أخرى. وقد اعتدنا هنا أن ننظر إلى المجتمعات الغربية على أنها النموذج النهائي للتحضُّر. وأسس لهذه النظرة قياس التقدُّم العلمي والصناعي والاقتصادي، والبناء المادي المتقدم، والنظم الديمقراطية ومساحات الحرية الفردية. وبالتأكيد، يجري توجيهنا إلى الاعتقاد بأن شعوب آسيا، حتى مع كل التقدم المادي الذي حققته بلدانها، ليست متحضرة مثل الغربيين على الأقل.
في الحقيقة، ترتبط النظرة في أساسها بفكرة “التنوير” الاستعمارية، التي تبرر غزو الآخرين بوصفه مهمّة لفتح عيون وعقول المستعمَرين وإخراجهم من الهمجية. وفي الطريق، يُنسى –خاصة بالنسبة للشعوب التي عانت الاستعمار وما تزال، مثلنا- أن الاستعمار عمل همجي، غير إنساني ولا علاقة له بالتحضُّر. والمجتمع الذي أقام تفوقه على ضمان تخلُّف الآخرين لا يمكن أن يكون أفراده متحضّرين في التحصيل الأخير. وللنظر فقط إلى ما يحدث في الانتخابات الأميركية، حيث التفوقيون البيض وأنصار كراهية الأجانب والمهاجرون يظهرون في الشوارع بالأسلحة، ولا مانع لديهم من اضطهاد –وقتل- مواطنيهم.
وفي الحقيقة، شهد شرق آسيا اشتباكات في شعوبه وغزوات. لكنّ ذلك انتهى تقريباً منذ الحرب العالمية الثانية. وبالنسبة لنا وللأفارقة واللاتينيين وكل الذين عانوا الاستعمارات الغربية، ليس لدينا ما نشكو منه من جيراننا الآسيويين الشرقيين، منذ أيام غزوات هولاكو وجنكيز خان. وربما كان غياب العدوانية عن سلوك أبناء قارتنا تجاهنا أدعى إلى اعتبارهم متحضّرين أكثر من الغرب.
يستشهد هان، بالعودة إلى الوباء، بما قاله هيلموت كول خلال فيضانات شديدة في العام 1962، وكان حينذاك رئيس قسم شرطة هامبورغ: “خلال الأزمة تظهر الشخصية”. ويقول هان، يبدو أن أوروبا فشلت في إظهار الشخصية في مواجهة هذه الأزمة”.
ويلاحظ هان: “لم تفرض اليابان ولا كوريا إغلاقًا تامًا. والتداعيات الاقتصادية أقل خطورة بكثير مما هي في أوروبا. والتناقض الذي يعرضه الوباء هو أن المطاف ينتهي بالمرء مع مزيد من الحرية إذا فرض قيودًا على نفسه طواعية… ينتهي الأمر بالذين يرفضون استخدام أقنعة الوجه باعتبارها هجوماً على الحرية وقد أصبحوا أقل حرية”.
الناقص في الغرب –وعندنا بوضوح- هو “الشيء الذي لا يمكن تفسيره طبيًا والذي يعيق انتشار الفيروس، (العامل س)، الذي ليس سوى التحضر، والعمل الجماعي، والمسؤولية تجاه الآخرين”.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock