أفكار ومواقف

كورونا والمدارس ودوامة التصريحات الحكومية

بعد الانتظار الطويل، والكثير من التصريحات المتضاربة حول شكل التعليم وآلية العودة للمدارس في العام الدراسي الجديد، والتي حولت هذا الموضوع إلى أرق حقيقي يخيم على معظم البيوت الأردنية، وتسببت في إرباك غير مسبوق لكل من مدارس القطاع العام والخاص، يخرج وزير التربية والتعليم د. تيسير النعيمي عبر مؤتمر صحفي أمس بتصريحات منزوعة الدسم لا تضيف سوى مزيد من التعويم لشكل وآلية سير العملية التعليمية في المدارس.
الآلية التي تطرحها وزارة التربية والتعليم لعودة الطلبة لمدارسهم ومحددات هذه العودة تتضمن تفصيلات عديدة تنطوي على ما يمكن وصفه بأنه «مفصلّ» خصيصا ليضمن إمكانية انتظام الدوام الفعلي بالكامل على مقاعد الغرف الصفية في المدارس الخاصة، بينما لن يكون ذلك ممكنا في الغالبية العظمى من المدارس الحكومية.
حين يقول الوزير ان الدوام سيكون داخل المدارس كالمعتاد مع وجود تدابير وقائية، فالأصل أن تكون القاعدة العامة هي الدوام الكامل وما دونه هو الاستثناء، وهذا ما ينسفه الإعلان عن أن الدوام سيكون كاملا في المدارس التي تحقق شروط التباعد (متر داخل الصف ومتران خارجه)، بينما سيطبق نظام التناوب بالأيام على المدارس ذات الكثافة الطلابية العالية التي يزيد عدد طلاب الشعبة الواحدة فيها عن 20.
عندما نعلم أن متوسط عدد طلاب الشعبة الصفية في المدارس الحكومية يقترب من 40 طالبا، بينما يبلغ أكثر من 55 في مدارس عديدة، وهذه الأعداد بالطبع مرشحة للزيادة مع حركة الانتقال غير المسبوقة من المدارس الخاصة إلى الحكومية، فيمكننا أن نجزم بأن الدوام سيكون نصفه عن بعد ونصفه الآخر داخل المدرسة في الغالبية العظمى من المدارس الحكومية مع تقليص مدة الحصص 15 دقيقة.
بالتأكيد، لست هنا في صدد مناقشة صوابية هذا القرار من الناحية الصحية ومدى جدواه في الوقاية من الوباء، ولا يحق لي ذلك فهذا الأمر متروك لتقدير ذوي الاختصاص، لكن ما أحاول التأشير إليه هنا هو درجة تحقق العدالة في اعتماد مثل هذه المعايير لانتظام الدراسة، حين نكون متأكدين بأن هذه المعايير لن تنطبق على المدارس الحكومية التي يرتادها أبناء الطبقة الفقيرة التي اتسعت بدون شك جراء تبعات أزمة كورونا.
سيُفرض على أبناء الفقراء إذن نظاما تعليميا مختلفا عن ذلك الذي سيحصل عليه أبناء المدارس الخاصة «المدللة». وسيكون لزاما على أبناء المدارس الحكومية قضاء نصف عامهم الدراسي في بيوتهم، واللجوء إلى التعليم شبه الذاتي في الأيام التي يطبق فيها التعليم عن بعد في مدارسهم.
كان من الممكن أن ننظر لهذه الآلية بإيجابية وأن نعتبرها حلا خلاقا في مواجهة وباء عالمي لم نختر أن نتعرض إليه لو كانت تجربتنا السابقة في التعليم عن بعد تجربة ناجحة، أو لو خضعت تلك التجربة لتقييم عملي ومن ثم لتقويم مهني وفني لمواطن الخلل التي كانت كثيرة وصارخة، لكن ذلك للأسف لم يحدث، وأصرت وزارة التربية على التغني بالتجربة رغم تدني الرضا عنها من الطلبة وذويهم ومن ذوي الاختصاص، وواصلت الاحتفال بنجاحها الذي لم يفهم أحدنا كيف تم قياسه وعلى أي أساس تم تحقيقه!
من جانب آخر، فإن ترك العديد من الأمور لتقدير إدارات المدارس، يتيح للمدارس الخاصة تقليص أو إلغاء الكثير من الأنشطة المنهجية واللا منهجية، وربما أيضا التحول لتدريس بعض المواد أو أجزاء منها عن بعد ما يعني إزاحة جزء لا يستهان به من الكلف عن كاهل هذه المدارس، لكن ومع عدم وجود أي تدخل أو تطرق رسمي للإشكالية التي برزت بين أهالي وإدارات المدارس حول الحق في تقاضي الرسوم عن الخدمات المعطلة فإن هذه المدارس ستكون غير ملزمة بأي خصم عن أي تعطل أو تقليص في الخدمات.
لا أريد أن أكون عدمية في النظر إلى سيناريوهات العودة للمدارس، لكن تجاربنا السابقة تجعلنا شبه متأكدين من أن ضبط العملية ومراقبتها لضمان سيرها بالشكل النموذجي الذي تم عرضه هو أمر بعيد عن الواقع، ما يثير لدينا مخاوف كبيرة من الخوض في تجربة غير محسوبة بدقة يمكن أن تؤدي بالعملية التعليمية إلى مزيد من التراجع ودون تحقيق أدنى دجات العدالة بين أبنائنا الطلبة.

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
43 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock