آخر الأخبار حياتناحياتنا

“كورونا” ونعمة التحدي

أ.د. طالب أبو شرار

عمان- تمتاز المجتمعات الحيوية الدينامية باستجابتها السريعة والمرنة للمتغيرات الطارئة. في واقع الحال، يعد علماء الحياة هذه الصفة ضرورية لاستمرار وارتقاء النوع الحي، فمن تكون استجابته بطيئة أو غير مناسبة يصبح عرضة للفناء.
في السجل الحياتي على كوكبنا هناك شواهد كثيرة تؤكد ما سبق وربما يكون أهمها فناء الديناصورات المفاجئ.
تشهد البشرية هذه الأيام تحديا قد يكون وجوديا لبعض المجتمعات البشرية، وأقصد به وباء “كوفيد 19”. وكما هو الحال في معظم التحديات الوجودية، فاجأنا هذا الوباء دون سابق تمهيد يمكننا من الاستجابة المرنة لتهديده.
بمعنى آخر، فرضت علينا تلك الحالة الطارئة أن نعمل تحت ظروف التهديد المستمر من أجل البحث عن مخرج آمن من تلك الحالة. فكيف كانت استجابتنا؟ سأقتصر الإجابة عن هذا السؤال على بلدنا الأردن لأن حالتنا هي ما يعنيني في المقام الأول.
في هذا المجال، يفترض المنطق العلمي أن تكون استجابتنا على شاكلة الخطوات الآتية، التي قد تتزامن في بعضها وقد تتابع في البعض الآخر:

  • تشخيص الحالة (العلة): ربما عبر مراجعات مستمرة الى أن نصل الى مرحلة تكتمل فيها عملية التشخيص وتنسجم الى حد كبير مع تشخيص الآخرين. هذه المهمة تعد طبية بحتة يفترض أن تتولاها بشكل رسمي جهات طبية تنتظم في نشاط مؤسسي يهدف الى نتيجة واحدة هي التشخيص العلمي الدقيق للحالة.
  • البحث العلمي الطبي: يهدف هذا النشاط الى تطوير بروتوكول طبي للحد من انتشار الوباء وبروتوكول آخر لعلاجه، إن كان ذلك ممكنا. أعضاء هذه اللجنة هم حتما من الأطباء المتخصصين وربما من صيادلة معنيين بهذا النمط من النشاط الطبي.
  • تطوير آلية أو آليات رياضية للتنبؤ بمسار الظاهرة: هذه المهمة معقدة جدا وتحتاج الى تضافر جهود مجموعة من الباحثين يتربع على رأسهم اختصاصيون في النمذجة الرياضية والإحصائية البنيوية، وهذا الفرع ليس فرع الإحصاء الكلاسيكي المبني على نظرية الاحتمالات بل هو إحصاء مبني على فرضية العامل البنيوي أو structured variable أي فرضية وجود عوامل كامنة تحدد يوميا أو أسبوعيا أو لأي فترة زمنية أخرى على مدى الظاهرة (عدد حالات العدوى) إضافة الى تشعبها مجتمعيا أي ramification.
    يعرف هذا العلم باسم geostatistics لأن بداياته كانت لغايات تحديد اتجاهات التنقيب عن المعادن النفيسة كالذهب؛ إذ يزداد تركيز المعدن إن كان التنقيب يسير في الاتجاه الصحيح.
    الهدف من تطوير هذا النموذج الرياضي هو تقديم إجابات كمية وبدرجة عالية من الموثوقية تبين الأعداد المرشحة للإصابة بالعدوى على امتدادات زمنية ومكانية واجتماعية.
    وبما أن تطوير مثل هكذا نموذج بحاجة الى تغذية علمية من أكثر من جهة، فإن تشكيل اللجنة المعنية بهذه المهمة يجب أن يشمل، إضافة لما تقدم، اختصاصيين في مجالات الوبائيات (وليس أطباء لمجرد كونهم أطباء)، وعلماء اجتماع، خاصة المعنيين بالسلوكيات الإنسانية والأعمال المهنية الأخرى كالتعليم في مختلف مراحله وبقية المهن التي تستدعي طبيعتها تماسا إنسانيا بشكل أو بآخر.
    النموذج أو النماذج التي يتم تطويرها على هذا الصعيد ليست ولن تكون نهائية، إنما هي نماذج مرحلية وفق المعطيات التي تستخدم في بناء النموذج الرياضي، ويتم تطويرها بمرور الوقت وباستمرار التغذية الراجعة من البيانات الميدانية.
  • تطوير آليات الاستجابة السريعة لمخرجات النمذجة الرياضية: تتولى هذه المسؤولية لجنة حكومية (تنفيذية) تتخذ قرارات على مستوى الحي أو الإقليم أو الدولة، ويتم ذلك بالتشاور مع بقية اللجان الوطنية. لتوضيح ذلك، قد تصدر لجنة النمذجة تحذيرا ما، الأمر الذي يستدعي إجراء حكوميا سريعا يتم اتخاذه بالتنسيق مع اللجنة الطبية ذات الدراية بالجوانب اللوجستية والطبية.
    المهام الثلاث الأولى هي تحديات علمية يفترض أن تنبري لاستجلاء غموضها الجامعات الأردنية (بالتعاون مع جهات بحثية أخرى محلية أو دولية).
    في هذا الصدد، تردنا باستمرار دعوات مشاركات بحثية أو تمويلية من مؤسسات ومنظمات دولية. هنا يتوجب التنويه الى محورية الدور القيادي (الجامعي أو المؤسسي ذي العلاقة البحثية) في تمويل وتشكيل المنظومة البحثية وحفزها ومتابعتها وتذليل ما يعترضها من صعاب. لا تقتصر مهمة القيادة على ضبط الإيقاع اليومي للعاملين بل تتعدى ذلك الى اجتراح إيقاعات جديدة تتناغم وطبيعة ومستوى التحديات الطارئة. في الحقيقة، هذه المهمة هي تحديدا مفصل المفاضلة بين قيادة وأخرى، هي التي تقرر الفشل أو النجاح.
    صراع البقاء يعد معرفيا في أحد جوانبه، لأن عدم التعلم من تجربة ما هو وصفة للهزيمة أمام تجربة مشابهة في المستقبل. المجتمعات المختلفة هي تلك التي تنتظر العون من الخارج. يقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم “وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ”.
    هذا الوباء هو تحد للإنسانية جمعاء ولا يفترض بدولة أو بشعب صغير في تعداده أو موارده أن يقف مكتوف الأيدي بانتظار العون من الخارج. فقط أتساءل: ماذا لو استطاع الأردن أن يقدم مساهمة إيجابية على مستوى واحد أو أكثر من الصعد السابقة؟ أنا مقتنع بأن في الأردن الكفاءات الإنسانية المطلوبة كافة لتحقيق الإنجازات السابقة.
    ربما نفتقر لبعض البنى البحثية التحتية العلمية، لكن توفيرها ليس بالأمر المستحيل بل قد يعمل التحدي على خلق الفرصة الموضوعية لتطوير متل تلك البنى التي إن افتقدنا جزءا منها فإن من بين كفاءاتنا الوطنية من لديه معرفة بزملاء من خارج الأردن يرغبون في المساهمة في هكذا جهد إنساني.
    أنا لا أدعي كتابة خطة عمل منهجية متكاملة بل هي محاولة تحفيز للعمل. المطلوب فقط هو ذلك العقل المسؤول الذي ينسق كل ما تقدم والذي يؤمن بأن أعظم الإنجازات العلمية هي التي تستحثها التحديات الكبرى. ألا ترون معي أن عملا كهذا يستحق بعض العناء وقد يصبح فرصة رائعة نحول فيها المحنة الى نعمة.
انتخابات 2020
19 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock