أفكار ومواقف

كورونا ونقص الكوادر الصحية

د.عاصم منصور

جرى حديث بيني وبين أحد المسؤولين في أحد المستشفيات الباريسية الشهيرة، وكان الحديث الذي دار بيننا حول مدى تأثير الجائحة في أداء القوى العاملة في القطاع الصحي، وخاصة قطاع التمريض الذي يُعتبر الركيزة الأساسية في أي قطاع صحي في كل مستشفيات العالم. وكان قد أطلعني على أن مسشفيات العاصمة الفرنسية، وبقية المدن الفرنسية الأخرى تُعاني من نقص حاد في عدد الممرضين مما اضطرهم الى اللجوء الى بعض الدول الناطقة بالفرنسية وعقد اتفاقيات مع هذه الدول لتوريد التمريض لفرنسا لتعويض بعض من هذا النقص.

كما تشير التقارير إلى أن القطاع الصحي العام في فرنسا قد اضطر إلى غلق ما نسبته خُمس الأسرّة في المستشفيات؛ نتيجة النقص الكبير في أعداد الكوادر الطبية، وهذا الحال ينطبق على معظم الدول العربية. وقد حذر الخبراء وفقاً لتوقعاتهم وقراءاتهم من تعمّق هذه المشكلة إذا ما استمرت الجائحة لسنوات أخرى مقبلة.

وهذا الوضع الذي تواجهه فرنسا يتطابق مع المعلومات المتناقلة عن عدد من دول العالم، ففي الولايات المتحدة تشير الارقام الى أن (18 %) من العاملين في القطاع الصحي قد استقالوا من وظائفهم، وأن حوالي (%30) يُفكرون في البحث عن مصادر أخرى للرزق وترك هذا القطاع بصورة نهائية.

كما شهد القطاع الصحي في كثير من الدول ظاهرة الهجرة العكسية من المدن الكبرى إلى البلدات الصغيرة والمؤسسات الأقل اكتظاظاً لتقليل الاحتكاك بالمرضى وتجنب الازدحام، كما زاد من حدة المشكلة أن بعض الكوادر الصحية تركت العمل بسبب تبنيها نظرية المؤامرة حول اللقاح ورفضوا عملية إلزامهم بتلقيه مما فاقم من إشكالية النقص الكبير بين الكوادر الطبية في المستشفيات.

وحقيقة، فإن النقص في أعداد الكوادر الصحية المُدربة ليس وليد الجائحة، فالدول الغربية تُعاني من نقص مُزمن بين هذه الكوادر نتيجة شيخوخة هذه المُجتمعات وعزوف الكثيرين عن دراسة التخصصات الطبية، فزيادة الطلب على مقدمي الرعاية الطبية يُقابلها نقص كبير في التزويد.

لكن الجائحة عمّقت الفجوة بين العرض والطلب والأزمة مرشحة للتفاقم بشكل طردي مع استمرار الجائحة وفي ظل الأزمة النفسية التي يُعاني منها هؤلاء العاملون في القطاع الصحي والتي تتمثل بالضغط النفسي والتوتر والاكتئاب ومشاعر مختلطة من الخوف من الإصابة بالمرض أو نقل العدوى لعائلاتهم.

ويعود بنا ذات المشهد إلى الذاكرة الحاضرة للماضي القريب عندما شهدت الدول التي عانت من فيروس إيبولا هجرة جماعية لكوادرها الصحية نتيجة للآثار النفسية والضغوطات التي عانوا منها نتيجة احتكاكهم وعنايتهم بهؤلاء المرض المصابين بهذا الفيروس!

لقد تحملت الكوادر الصحية العبء الأكبر من تداعيات وآثار الجائحة من مختلف النواحي النفسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذه الآثار ستترك بصماتها على حياتهم وقد لا يستطيعون الخلاص منها في المستقبل القريب.

أما في بلدنا والذي يعتبر مصدراً مهماً للكوادر الطبية المميزة على مستوى المنطقة، فقد بدأنا نشهد نقصاً في أعداد الممرضين خاصة في ظل الطلب المتزايد من قبل وزارة الصحة ودول الخليج العربي.

قد يبدو الطلب على الكوادر الطبية فرصة سانحة للأردن لإعادة النظر في وضع هذا القطاع وايلائه الاهتمام الأكبر، ووضع الاستراتيجيات المدروسة جيداً لاحتواء هذا القطاع وتنميته وتدريبه، كما أرى أن الحاجة أصبحت ملحة لإعادة تقييم ودراسة سياسات التعليم العالي والتي جنحت خلال السنوات الماضية إلى التركيز على الكم على حساب الجودة، وهذا الأمر قد بدأنا نشهده بصورة مقلقة من خلال مقابلات الخريجين من أجل التعيين، فالعالم وإن كان بحاجة ملحّة إلى هذه الكوادر إلاّ أنه لن يقبل إلا بالمتميزة منها؛ وإلاّ فإننا سنواجه قريباً وفرة في الكم وندرة في النوع!

المقال السابق للكاتب

وفيات كورونا بين المبالغة والتهوين

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock