ترجمات

“كوفيد الطويل” ليس مرضاً خفيفاً على الإطلاق

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

جوانا هيرمان* – (الغارديان) 27/12/2020
بعد تسعة أشهر من الشفاء من الفيروس، ما أزال أشعر بأنني منهكة القوى بشكل خطير. هذه هي الطريقة التي تحتاج إليها العيادات الجديدة لـ”خدمة الصحة الوطنية” لمساعدة الآلاف منا على تجاوز ذلك.
* * *
مع الإثارة التي يجلبها وصول لقاح مضاد لـ”كوفيد -19″، قد يكون من السهل نسيان أو تجاهل أولئك منا الذين يعانون من “كوفيد الطويل”، ويكافحون من أجل استعادة حياتنا السابقة قبل قدوم الفيروس والاستمرار في العيش مع الأعراض المتخلفة المنهكة. وحتى بينما تدير “خدمة الصحة الوطنية” البريطانية المهمة الشاقة المتمثلة في تطعيم الأمة، سوف يستمر انتشار “كوفيد -19” والمتغيرات الطافرة الجديدة للفيروس، ما يترك المزيد من الأشخاص عرضة لخطر الإصابة بالمرض لفترة طويلة مقبلة. وقد أشارت البيانات الواردة في دراسة أجرتها كلية “كينغز” في لندن في أيلول (سبتمبر) إلى أن ما يصل إلى 60.000 شخص في المملكة المتحدة يمكن أن يُصابوا، لكنّ أحدث الإحصائيات الصادرة عن مكتب الإحصاءات الوطني تشير إلى أن العدد قد يكون أعلى من ذلك بكثير.
كنت مريضة بشكل حاد بـ”كوفيد -19″ في شهر آذار (مارس)، وعلى الرغم من ذلك -ومثل العديد من الأشخاص المصابين بـ”كوفيد الطويل”- تم تعريف حالتي في ذلك الحين على أنها “خفيفة” لا تتطلب دخول المستشفى. والآن، بعد تسعة أشهر، ما أزال أشعر بالضعف والإنهاك الشديد، مع الإجهاد بعد بذل أي جهد، والمصحوب غالبًا بآلام في الصدر. وفي الأيام السيئة، يشعر عقلي بأنه لا يريد أن يعمل، ويمكن أن يسبب حتى الاشتراك في محادثة عبئاً ثقيلاً وشاقاً. وليست لديَّ أي عوامل اختطار، فأنا في الخمسينيات من عمري، وكنت دائمًا لائقًة صحياً، لكنني ما أزال غير لائقة بما يكفي للعودة إلى العمل -ومن كبير المفارقات أنني استشارية في الأمراض المعدية. وقد أضافت حقيقة مشاهدتي الجائحة وهي تتكشف من الخطوط الجانبية، في حين كان ينبغي أن أعمل فيه في خضمها، إلى الإحباط الكبير الذي يسببه مرضي الذي طال أمده.
عندما أصبتُ بالمرض أول الأمر، انتهت الأعراض الحادة في غضون 12 يومًا، وافترضتُ أنني سأعود إلى العمل في الأسبوع التالي. وكم كنت مخطئة! في الأسابيع التالية، عانيت من تساقط الشعر بشكل كبير (بشكل مشابه لما يحدث بعد الحمل) واستمررت في الشعور بالإرهاق، وعادة ما أنام من التعب في فترة ما بعد الظهر. وقد حاولت زيادة تماريني بشكل مطرد -ولكن فجأة في منتصف حزيران (يونيو)، بدأت أشعر بالإجهاد الشديد بعد أي جهد مبذول. ويمكن أن يحدث ذلك في نزهة قصيرة على الأقدام أو أثناء طهي العشاء. وكان هذه الأعراض شيئاً لا يمكن التنبؤ به على الإطلاق. وعندما بدت حالتي سيئة حقًا، كنت أعاني من آلام في الصدر لم أكن قد شعرتُ بمثلها خلال مرضي الأولي، ويبدو جسدي وكأنه يحتاج إلى راحة شديدة -والكثير منها في الحقيقة. والتمرين المتدرج، وهو النهج الذي يتم استخدامه لإدارة حالات المرضى الذين يعانون من إجهاد ما بعد الفيروس في أمراض أخرى، لم ينجح؛ في الواقع، بدا أنه ضار ويمكن أن يتركني مطروحة لعدة أيام. وكان الشيء الوحيد الذي أدركته في وقت مبكر هو أن السرعة (الخطو/ الوتيرة) أمر حاسم.
على مدى أشهر، بدا أنه لم يكن هناك اعتراف بما يحدث للكثيرين منا، مع ظهور العديد من التقارير عن حكايات الأشخاص الذين تم الاستخفاف بهم باعتبار أنهم قلقون أكثر من اللازم أو مكتئبون أو مسرحيون. وقد شعرت كما لو أننا تُركنا في “الليمبو”، ولم تتم متابعتنا لأننا لم نكن مرضى بما يكفي في البداية لنستحق العلاج في المستشفى، لكنَّ معظمنا كانوا من دون رعاية طبية ودعم مناسبين طوال فترة مرضهم. وبالنسبة لي، كنتُ محظوظة بما يكفي لأن لدي طبيبة عامة ممتازة كانت داعمة للغاية طوال الوقت، لكنني استطعت أن أسمع إحباطها من عدم وجود أي شيء ملموس يمكن أن تقدمه لي أو أن تحيلني إليه.
في أيار (مايو)، مع عدم وجود أي مصدر يمكن أن ألجأ إليه، أنشأت مجموعة “يوغا كوفيد الطويل” (أنا أيضًا معلمِّة يوغا) للآخرين الذين أعرفهم ممن يعانون التأثيرات نفسها. وركزت على تمارين معينة لمساعدتهم على إعادة تعلُّم كيفية الوصول إلى رئاتهم والتنفس مرة أخرى.
ما يزال الكثير عن هذا الفيروس المستجد غير معروف، وكلنا نتعلم مع استمرار انتشار الوباء. ويمثل “كوفيد”، بأعراضه وتمثيلاته التي لا تعد ولا تحصى، تحديًا كبيرًا للخدمات المتخصصة المجزأة التي أصبحت عليها المستشفيات الآن. لكن هناك شيئاً واحدًا أصبح واضحًا منذ بعض الوقت: هذه ليست متلازمة مباشرة واضحة لما بعد الفيروس، ويتطلب التعالم معها نهجًا مختلفًا.
لم يكن الإعلان في تشرين الأول (أكتوبر) عن تخصيص تمويل بقيمة 10 ملايين جنيه إسترليني للعيادات التي تقدم المساعدة للمصابين بـ”كوفيد الطويل” ليأتي في وقت أفضل، مبكراً بما يكفي. وبعد ذلك قام “المعهد الوطني للتميز في الرعاية الصحية” بتحديث الإرشادات حول “متلازمة ما بعد كوفيد” (كما سيُعرف “كوفيد الطويل” بعد الآن)، بما في ذلك تقديم تعريف للحالة، إضافة إلى خطط لتعمل على أساسها العيادات الأربعون المنتشرة في جميع أنحاء إنجلترا.
وسوف تجمع هذه العيادات الأطباء والمعالجين معًا “لتوفير رعاية مشتركة للصحة البدنية والعقلية”، وستتضمن التقييم الجسدي والمعرفي والنفسي للمصابين.
ما يزال يترتب أن يراني اختصاصي في العلاج الطبيعي، ولكن من كان ليظنَّ أن الكرسي المرتفع الذي صممه متخصص في العلاج الوظيفي لأمي المسنة سيصبح ضرورة بالنسبة لي كي أتمكن من طهي العشاء وتنظيف أسناني؟
سوف يتم أيضاً تخصيص تمويل من المعهد الوطني للبحوث الصحية لإجراء تحقيقات تشتد الحاجة إليها في الآليات الكامنة وراء أعراض “كوفيد الطويل”. ومن المهم للغاية أن يتم تحديد البيانات الكميّة لـ”كوفيد الطويل” ومراقبته بالطريقة نفسها التي كنا نراقب بها حالات دخول المستشفيات والوفيات. وإضافة إلى ذلك، يجب أن يكون هناك وصول سهل إلى الخدمات الاجتماعية للأشخاص الذين يحتاجون إلى حزمة رعاية لأنهم لا يستطيعون إطعام أنفسهم أو غسل أنفسهم، إضافة إلى الدعم المالي ونصائح التوظيف.
من المهم كثيراً، مثلما يحدث مع العديد من الفرق متعددة التخصصات للحالات المزمنة، أن تكون هناك نقطة اتصال واحدة مع ممرض/ممرضة واحد متخصصين لتنسيق عمل أعضاء الفريق المختلفين، وتساعد على الوصول المباشر إلى الخدمات الأخرى مباشرة. ويُعد إنشاء مركز شامل يمكن الوصول فيه إلى التخصصات كافة أمرًا حيويًا للأشخاص الذين لا يستطيعون القيام بزيارات متعددة لمتخصصين مختلفين.
قد يكون كافياً للبعض أن يتم الاستماع إليهم ببساطة، وأن تُفهَم حقيقة أنهم لا يختلقون أعراضهم. كما أننا نحتاج أيضًا إلى التوقف عن تصنيف جميع الحالات التي لا يتم إدخالها إلى المستشفى على أنها “خفيفة”. إن ما يعاني منه أولئك الذين يعانون من “كوفيد الطويل” هو أي شيء سوى أن يكون مرضاً خفيفاً.
أخيرًا، يبدو أن أولئك منا الذين يعانون من هذه الحالة المنهِكة أصبحوا يكسبون الاعتراف والدعم اللذين كنا نطالب بهما. لقد أصبحنا نعترف الآن فقط بإمكانية أن تكون لهذا الفيروس عواقب مدمرة ومغيِّرة للحياة بعد أشهر من ظهور الأعراض الحادة الأولى. وهذه بداية جيدة، على الأقل.

*Joanna Herman: هي، عندما تكون لائقًة للعمل، مستشارة في الأمراض المعدية في لندن، وتدرِّس في مدرسة لندن للصحة والطب الاستوائي.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: I’m a consultant in infectious diseases. ‘Long Covid is anything but a mild illness

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock