أفكار ومواقف

كوفيد 19 والحكمة في ضحى الغد

“ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين”
أتوقع أننا سوف نشهد ردة فعل إعلامية واجتماعية واسعة بسبب الثغرات (يجب ألا تفاجئ أحدا) المفاجأة في عمليات المواجهة مع الوباء وسياسات الحظر والتباعد الاجتماعي، وسوف ينفتح المجال (سالفة تجر سالفة!) لتقييم وإعادة تقييم كثير من الحلول والإجراءات المتبعة وخاصة في مجال الحياة اليومية وخاصة التزويد بالغذاء والدواء. وسوف تتكشف بطبيعة الحال معلومات وأخطاء كثيرة جدا ندركها من بعيد ولا نراها لكنها متوقعة.
الذين عاشوا تجربة الحرب العام 1990 يتذكرون بقدر من الإيجابية والرضا سياسات التموين والمواجهة مع الحالة الطارئة التي تشكلت بسبب الحرب، حيث عشنا حالة من الغلاء والحصار وأزمة خانقة في الإسكان والعمل والتموين، وشهدت البلاد ضغطا كبيرا على الخدمات والمرافق الأساسية، وكنا قبل الحرب نعيش أزمة اقتصادية كبرى، وأظن أننا لم نتجاوز بعد آثار تلك الأزمة، لكننا استوعبناها، لم نكن مثاليين لكننا كنا عمليين، أخطأنا كثيرا لكننا تدبرنا حياتنا وأعمالنا، ولكننا في حدود ملاحظتي ومتابعتي لم نتدبر الأزمة ونحدد الأخطاء والدروس والتي ما زالت تكرر نفسها وكأننا لم نتعلم شيئا، لسوء الحظ لم يلتقط اللحظة سوى “أثرياء الحرب” وأخشى أننا نكرر الأخطاء نفسها بلا ملل.
من يحاول أن يتابع مجريات الأزمة والمواجهة والمشاهد والتداعيات المحيطة لا يكاد يجد شيئا يذكر، موقع وزارة الصحة والموقع الخاص بالوباء لا يقدمان معلومات ومعرفة شاملة وكافية ومحدثة، وفي شبكات التواصل ووسائل الإعلام يغلب الحشد والتعبئة التي لا تحشد ولا تعبئ، ويغرق الكاتب أو الباحث أو المتابع والمهتم في ركام من اللاشيء.
وجدت دراسة لمنتدى الإستراتيجيات، وأظن أنها أفضل ما لدينا مما هو متاح في الفضاء العام، وهناك دراسة للمجلس الاقتصادي الاجتماعي، ولا يعدم من يبذل جهدا مضنيا في الحصول على أخبار ومعلومات لكنها مثل إبرة في بيادر القش.
الأسئلة المتوقعة والبديهية لم تشغل لشديد الأسف وزارة الصحة ولا المؤسسات الإعلامية والسياسية والتنفيذية، فمن البداهة على سبيل المثال أن يكون معروفا أو متاحا للمعرفة خريطة العمل والإدارة في مواجهة الأزمة، على سبيل المثال الاستعدادات العملية والمؤسسية لاستيعاب الأزمة؛ عدد الأسرة في المستشفيات والأجهزة التنفسية، الأطباء والممرضون والمراكز الصحية في المدن والمحافظات والأحياء، المستشفيات والعيادات الخاصة، والجامعية ووكالة الغوث، والملاحظات اليومية للشكاوى في الحياة اليومية والإصابات والمرض.
الحال أنه ليس لدى الحكومة سوى اللوم والوصاية من غير إعلان للمسؤولية والاعتراف بالأخطاء والثغرات، فليس مخطئا ولا مسؤولا سوى المواطن، وليس لدى الحكومة في خطابها الإعلامي والسياسي سوى الوعظ والإرشاد والتوجيه، ويقول الدكتور محمد الزعبي وهو طبيب وناشط في مجال الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي إن الحكومة لم تستنفر كما يفترض جميع الطاقات الطبية من الأطباء والممرضين والكثير منهم مستعد للعمل والتعاون والتطوع، والكثير منهم لا يعمل، كما أن القطاع الخاص يبدو غير مشارك بفاعلية. هناك فرق للكشف عن المرض تجري وشارك فيها أعداد إضافية غير العاملين في وزارة الصحة.
نعلم جميعا، وكنا قبل كوفيد 19 نتجادل حول قدرات وإمكانيات المؤسسات الصحية والعلاجية في البلد على استيعاب وإدارة القطاع الصحي في الظروف العادية من غير أزمة وكان يبدو واضحا أن الخريطة القائمة للعمل الصحي تحتاج إلى مضاعفة (نعم مضاعفة) المؤسسات والفريق الفني لتكون قادرة على استيعاب متطلبات العمل الصحي في الظروف العادية من غير أزمة!
ونعرف طبعا- وهذا واضح- أن أخطاء سلوكية خطيرة تحدث كل يوم، ولكن يجب أن نعرف أن التوعية لا تنشئ الوعي وأن التثقيف لا ينشئ الثقافة، ولكن الوعي والمسؤولية يأتيان محصلة عمليات طويلة ومتراكمة من المشاركة الواسعة والعميقة والديمقراطية والحريات والتفويض المتراكم للإدارات المحلية والمواطنين في إدارة شؤونهم، فما يجري من أخطاء في هذا المجال مرده إلى ضعف أو إضعاف المجتمعات والمدن واللامركزية والإدارات المحلية، كما ضعف المشاركة على مدى عقود من الزمان، وليست الفجوة بين الانتخابات ومخرجاتها وبين المتطلبات المفترضة إلا مثال على ضعف المشاركة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock