;
ترجمات

كيفية التعامل مع الجمهورية الدستورية الجديدة في تونس

سابينا هينبرج* – (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 8/8/2022

في 25 تموز (يوليو)، خرج الناخبون التونسيون بأعداد منخفضة بشكل مقلق لإقرار دستور جديد.

وقد صاغ الرئيس قيس سعيّد هذا الميثاق إلى حد كبير، وتم اعتماده من خلال عملية تسودها شوائب كثيرة، حيث يُعيد الحكومة إلى نظام رئاسي يفتقر بشدة إلى الضوابط والتوازنات الديمقراطية.

وبالنسبة لواشنطن -والعديد من التونسيين- تُمثّل هذه التغييرات خطوة مهمة أخرى في مسارٍ دامَ عاماً نحو إعادة مأسسة الاستبداد الذي رفضته ثورة 2011.

وعلى الرغم من أن وقف هذا المسار سيكون صعباً، إلا أنه ما يزال بإمكان الولايات المتحدة فعل الكثير للمساعدة على حماية المكاسب الديمقراطية التي حققتها تونس على مدى العقد الماضي، وإبقاء الهجرة إلى أوروبا ضمن مستويات تمكن إدارتها، وإقامة منطقة عازلة للتصدي لعدم الاستقرار في ليبيا ومنطقة الساحل، ودعم سبل العيش لملايين المواطنين التونسيين.

وبدلاً من خفض المساعدات المالية والأمنية إلى حد إنهائها، سيكون من الأفضل لواشنطن تطوير البرامج التي تعزز اقتصاد الدولة ومجتمعها المدني -وإن كان ذلك مع وضع خطوط حمراء لمواصلة المساعدات، وحث تونس على استعادة استقلال القضاء.

تحقيق الاستقرار للاقتصاد

ساعدت عوامل عدة على الوصول إلى هذا الوضع: فقد أدى دستور العام 2014 القائم على التوافق إلى بروز عوائق مؤسسية وقيام حكومات متصدعة متعاقبة، وتفاقمت هاتان المشكلتان بسبب قلة خبرة الأحزاب السياسية، والفساد المستمر، والنزاعات الشخصية بين أعضاء مجلس النواب في تونس.

ورداً على ذلك، فقدَ الكثير من المواطنين الثقة في النظام ومؤسساته.

وبذلك، عندما تفاقمت الأزمة الاقتصادية في تونس بشكلٍ كبير خلال العامين الماضيين، أدت إلى حد كبير إلى تقويض المشروع الديمقراطي الهش أساساً.

وقد فشلت الإدارات المتعاقبة في تنفيذ الإصلاحات المالية الضرورية، وذلك بفضل تأثير مسؤولي النقابات العمالية (الذين عارضوا تدابير مثل خفض الإنفاق في مزايا القطاع العام)، وعدم رغبة الحكومات التوافقية في معالجة القضايا المثيرة للجدل.

وبعد انتخاب سعيّد في العام 2019، وجهت جائحة “كورونا” ضربة هائلة للاقتصاد التونسي وأطلقت العنان لانتشار أزمة صحية كبيرة، مما أتاح للرئيس التونسي فرصة الإعلان عن حالة طوارئ (وتمديدها لاحقاً)، وتفكيك مجلس النواب، وإصدار سلسلة من المراسيم التي تُضعف المؤسسات الأخرى.

وإلى جانب كون الجمهورية الناتجة عن الدستور مبنية على ركائز هشة ديمقراطياً، فإنها تفتقر أيضاً إلى شرعية عريضة القاعدة -كانت نسبة المشاركة الرسمية في عملية التصويت البالغة 30 في المائة منخفضة بالفعل وتم تحديها من قبل نشطاء المعارضة، الذين ادعوا أنه تم تضخيم عدد الأصوات المدلى بها -والتي قيل إنها تقارب 2.5 مليون صوت- بما لا يقل عن 400.000 صوت.

ولكن، على الرغم من التصرفات المقلقة لسعيّد، إلا أن الآن ليس الوقت المناسب لتعليق المساعدات إلى تونس.

وأحد الأسباب هو أن مبلغ 85 مليون دولار المقدم من قبل “صندوق الدعم الاقتصادي” الأميركي في السنة المالية 2022 كان عنصراً مكملاً مهماً لنفقات تونس البالغة حوالي 12 مليار دولار، ومن شأن تقليل هذا الدعم أن يفاقم الظروف الاقتصادية المتردية في البلاد. والأهم من ذلك، لن تؤذي واشنطن إلا الشعب التونسي إذا استمرت في حجب عقد “مؤسسة تحدي الألفية” البالغ 500 مليون دولار، والذي يسهل تنفيذ مشاريع المياه والتنمية الريفية.

وقد علقت “مؤسسة تحدي الألفية” هذه المساعدة “إلى أن تعود تونس إلى المسار الديمقراطي”، ولكن ما يزال من غير الممكن توقع استجابة سعيّد لمثل هذه العقوبات.

وبناءً على ذلك، ينبغي ألا تخاطر واشنطن بإثارة غضبه من خلال اتخاذه خطوات أكثر تشدداً قد تفاقم المعاناة الإنسانية والهجرة الجماعية.

يكمن الأمل الأفضل على المدى القريب للتخفيف من المشاكل المالية في تونس في تأمين حزمة قروض جديدة من “صندوق النقد الدولي”.

وعلى الرغم من أن البعض يعتبرون أن تحقيق هذه النتيجة أصبح أكثر ترجيحاً الآن بعد أن ركز سعيّد السلطة في يده، إلا أن تنفيذ الإصلاحات غير الشعبية التي يفرضها “صندوق النقد الدولي”، مثل خفض رواتب موظفي القطاع العام، سيظل صعباً، كما أن سعيّد لم يظهر اهتماماً كبيراً بإجراء إصلاحات اقتصادية هيكلية.

ومع ذلك، من الضروري مساعدة تونس على تجنب الانهيار المالي من أجل الحفاظ على الاستقرار.

لذلك، سواء تمت الموافقة على قرض “صندوق النقد الدولي” أم لا، على الولايات المتحدة وشركائها مواصلة البرامج التي تهدف إلى تعزيز نمو القطاع الخاص وتنمية القوى العاملة في الوقت الحالي، والتي تشمل الأموال التي تم إلغاؤها من الميزانية المقترحة من قبل إدارة بايدن للسنة المالية 2023.

دعم الانتخابات الحرة

كما أشار وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، في بيان صدر في 28 تموز (يوليو)، على واشنطن أن تراقب عن كثب الانتخابات المقبلة لمجلس النواب التونسي، والمقرر إجراؤها حالياً في 17 كانون الأول (ديسمبر).

وقد تعرض الاستفتاء الذي جرى الشهر الماضي لانتقادات واسعة النطاق بسبب عدم مراعاته الحرية والنزاهة، ومن غير المحتمل أن تكون عملية التصويت التالية مختلفة عنه.

وتشير الدلائل الأولية المقلقة إلى أن سعيّد سيقيد قوانين الإعلام والحملات الانتخابية، أو حتى يحظر مشاركة بعض الأحزاب السياسية والمرشحين.

سرعان ما تسبب بيان بلينكين -الذي تضمن انتقادات حادة لعملية التصويت وغيرها من الخطوات “المقلقة”- في رد فعل عنيف في تونس.

ففي اليوم التالي استدعت وزارة الخارجية التونسية القائمة بالأعمال الأميركية، ناتاشا فرانشيسكي، وانتقدت الوزارة البيان بوصفه “تدخلاً” في الشؤون الداخلية لتونس، بينما أفادت بعض التقارير عن وقوع احتجاجات خارج السفارة الأميركية.

ويعكس هذا الرد ضيق المساحة المتبقية لواشنطن من أجل تشجيع التشريع الانتخابي السليم من دون دفع سعيّد إلى التطرف.

وبالتالي، ستحتاج إدارة بايدن إلى التنسيق عن كثب مع الشركاء الأوروبيين لإنشاء محفزات لحجب الدعم المباشر عن الحكومة التونسية.

(في العام الماضي، قدم “الاتحاد الأوروبي” مساعدات تقدر بنحو 362 مليون يورو، إلى جانب ما يقرب من 600 مليون يورو من المساعدات المالية الكلية).

مستقبل مكافحة الإرهاب في منطقتي الساحل والمغرب العربي

ويبدو أن القانون الانتخابي غير الديمقراطي بشكل واضح أو القمع المتزايد للاحتجاجات السلمية هما بمثابة خطين أحمرين مناسبين، طالما تم الاتفاق عليهما بعد إجراء مناقشات أميركية أوروبية مفصلة.

التركيز على المجتمع المدني

باستطاعة الولايات المتحدة أيضاً الاعتراض على التصرفات غير الديمقراطية لسعيّد من خلال دعم المجتمع المدني القوي في تونس.

فمنذ العام 2011، لعب المجتمع المدني دوراً رئيسياً في إنشاء قدرة على رصد حقوق الإنسان، وتعزيز مبادرات الشفافية، وبناء الممارسات الديمقراطية في البلاد. وخلال العام الماضي، لعب هذا القطاع دوراً فعالاً في مواجهة سعيّد، جزئياً من خلال تنظيم الإضرابات والمقاطعات رداً على مراسيمه.

حتى الآن، لم يستهدف سعيّد المجتمع المدني بالحيوية نفسها التي أظهرها في هجماته على المعارضين السياسيين رفيعي المستوى.

ولكن في وقتٍ سابقٍ من هذا العام، تم تسريب مشروع قانون من شأنه أن يطالب المنظمات غير الحكومية بالحصول على تصريح حكومي للعمل، وإخضاع تمويلها الأجنبي لموافقة مسبقة من “البنك المركزي”.

وأثار التسريب رد فعل صريح من المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان، ولم يُسمَع أي شيء آخر عن هذا القانون منذ ذلك الحين.

ومع ذلك، على المجتمع الدولي أن يراقب هذه المسألة عن كثب، وأن يعارض بشدة أي تهديدات من هذا القبيل لحرية تكوين الجمعيات.

في جلسة استماع عُقدت في 27 تموز (يوليو) للتصديق على تعيين السفير جوي هود في تونس، أشار هود إلى أن الولايات المتحدة يجب أن تستمر في دعم أصوات المجتمع المدني -وهو موقف واعد قد يساعد على ثني سعيّد عن اتخاذ تدابير أكثر قسوة.

ويجب أن يقر الكونغرس تعيينه بسرعة بدلاً من ترك أعلى منصب دبلوماسي في تونس يشغل من قبل “قائم بالأعمال”.

وعلاوةً على ذلك، على المسؤولين رفيعي المستوى في السفارة الأميركية عقد اجتماعاتٍ مع ممثلي المجتمع المدني، كوسيلة لإثبات نية واشنطن بشكل أكبر الحفاظ على التزامها كشريكة ديمقراطية.

ويجب أن يشمل هذا الانخراط التركيز على المنظمات التي تعمل على إشراك الشباب الذين سئموا من الجيل الأكبر سناً من النخب السياسية.

شروط المساعدة العسكرية ودعم القضاء

من العناصر المهمة الأخرى للمساعدات الأميركية هي المساعدة العسكرية، التي أسهمت في تحقيق الأهداف الرئيسية لمكافحة الإرهاب على مدى سنوات.

فمنذ العام 2011، قدمت واشنطن لتونس “تمويلاً عسكرياً خارجياً” ملحوظاً ومساعدةً تهدف إلى تعزيز إنفاذ القانون وإصلاحه، لكن مشروع ميزانية إدارة بايدن يدعو إلى تنفيذ تخفيضات كبيرة في هذه المساعدة، على النحو الآتي: 61 مليون دولار في السنة المالية 2023، بعد أن كانت 112 مليون دولار.

وسيؤدي خفض هذه المساعدة إلى جعل تونس أكثر عرضة للهجمات المتطرفة والتجنيد -وهو ما يشكل خطراً بالفعل نظراً لارتفاع معدل البطالة.

وفي الوقت نفسه، يجب أن تتأكد واشنطن من أن مساعدتها العسكرية المرتبطة بإنفاذ القانون لا تشجع قوات الأمن التونسية على استخدام (أو توسيع) التكتيكات القمعية ضد المدنيين.

فإلى جانب إظهار الالتزام الحقيقي للولايات المتحدة بحماية حقوق الإنسان، ينص القانون الأميركي أيضاً على الوفاء بهذه الضرورة.

كانت إحدى النقاط الرئيسية الأخرى التي شدد عليها هود هي إصرار الولايات المتحدة المستمر على استقلال القضاء.

فقد تعرضت احتمالات الحفاظ على نظام قضائي عادل في تونس لخطر شديد بسبب الدستور الجديد.

ولتحسين هذه الاحتمالات، على واشنطن أن تحث على عدم استخدام المحاكم العسكرية في القضايا المدنية. وعلى الرغم من زيادة هذه الممارسة خلال العام الماضي، إلا أنها لا تبدو ذات أهمية محورية بالنسبة لسعيّد. وقد يساعد إقناعه بالتخلي عنها بهدوء في استعادة بعض الثقة بين أبناء الشعب.

الخاتمة

يمكن أن تدعم واشنطن الاستقرار في تونس من دون التضحية بالتزامها بالديمقراطية.

ومن خلال التنسيق مع الشركاء الأوروبيين لتشجيع الإصلاحات والاستفادة من المساعدة الاقتصادية المهمة، وتعزيز التزامها بالمجتمع المدني وحقوق الإنسان، يمكن أن تساعد واشنطن على منع وقوع السيناريو الأسوأ.

ومن شأن هذه الجهود أن تسهم في منع زعزعة الاستقرار في أنحاء المنطقة كافة.

*سابينا هينبرج: زميلة حائزة على زمالة ما بعد الدكتوراه في “كلية الدراسات الدولية المتقدمة” في “جامعة جونز هوبكنز”، حيث تقوم بالبحث والنشر في القضايا المتعلقة بالتحولات السياسية في شمال إفريقيا.

اقرأ أيضا في ترجمات:

الدين والسياسة (1)

الدين وفكرة صامويل هنتنغتون عن “صراع الحضارات”: مقاربة نقدية

 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock