اقتصادتحليل إقتصادي

كيف أثرت الكورونا على أعمال البنوك؟

محمد جميل عزم حمد*

– البنوك قامت بنجاح بالتعامل مع البرامج التحفيزية التي نفذتها الدول وتحملت حجم الضغط

الدوحة – أثر انتشار وباء الكورونا على العالم أجمع بقطاعاته المختلفة، ومن هذه القطاعات كان قطاع البنوك التي تأثرت وأثرت ايضا، وسيستمر ذلك مستقبلاً. وقد اثبتت البنوك خلال الازمة تحليها بقدرة على التحمل ومرونة تشغيلية وبدرجة انجاز متميزة يجدر ابرازها والبناء عليها وقيام القطاعات الاخرى بالاستفادة من نجاح تجربتها. ويعود هذا النجاح الى جهود البنوك الذاتية بادارة مخاطرها المختلفة والاستثمارات التي وضعتها البنوك لضمان ذلك، وكذلك الى جهود السلطات الرقابية ايضاً. وقد تميزت الجهات الرقابية بسرعة ادائها، حيث مثلاً اوضح مجلس الاستقرار المالي ان هناك حوالي 850 اجراء تم القيام به من الحكومات المختلفة.

وكذلك قامت السلطات الرقابية بإبداء مرونة اكثر خلال الظروف الحالية في تطبيق بعض المتطلبات الرقابية مثل شروط التصنيف وبناء المخصصات من حيث الهيكلات والجدولات والمنهجيات المستخدمة وتطبيق المعايير المحاسبية الخاصة بانخفاض الاصول، وكذلك متطلبات احتساب نسب السيولة وكفاية راس المال. كما قامت مثلاً لجنة بازل بتأجيل تطبيق بعض المتطلبات الرقابية المختلفة مثل تطبيق بعض تعديلات بازل3، وكل ذلك كي تكون البنوك والسلطات الرقابية قادرين على توجيه كافة مواردهم للتعامل مع آثار فيروس كورونا، وبما يعني تزويد الخدمات المهمة والحساسة للاقتصاد والتأكد من قدرة البنوك على التحمل ومرونتها التشغيلية والمالية. علما ان البنوك لم تتعامل مع الازمة والمرونة التشغيلية اللازمة لذلك كمتطلب رقابي فقط، بل هو امر يخص استمرارية الاعمال لديها وثقة العملاء بها، حيث ان بناء الثقة والمحافظة عليها مع العملاء هو امر رئيسي في نظام الخدمات المالية وهي تعود بالفائدة على العملاء والمساهمين والاقتصاد بشكل عام.

محمد جميل عزم حمد

تعرضت البنوك للعديد من الآثار التشغيلية نتيجة للأزمة واتخذت البنوك العديد من الاجراءات تمثلت بإجراءات وقائية احترازية وتقليل احتمالية حدوث اي توقف للعمل، واجراءات للتعامل مع اي اصابات قد تحدث لديهم، وكذلك اجراءات مستقبلية تضمن تنفيذ خطط للرجوع الى اداء الاعمال خاصة تلك المهمة، وبما يضمن استمرار اعمالهم وبالتالي توفير الدعم للاقتصاد.

قامت البنوك بتفعيل فرق وخطط استمرارية العمل وجعلت البنوك حول العالم معظم العاملين لديها يقومون بالعمل من منازلهم، وقامت بالفصل بين مواقع عمل الموظفين المتشابهة اعمالهم ممن لم يعملوا من منازلهم. وتم استخدام الادوات الالكترونية والبرامج المختلفة للتواصل داخليا وخارجياً سواء بين العاملين أو مع العملاء او الموردين وبما يضمن استمرار تنفيذ المشاريع المختلفة لدى البنوك، وكذلك استخدامها ايضا في استمرار عمليات تدريب الموظفين وحتى اجتماعات مجالس الادارات والهيئات العامة.

كما استمرت بعمليات التعقيم المختلفة للادارات والفروع، وقامت بعمل التوعية اللازمة للعاملين وكذلك للعملاء، ووفرت البنوك بسرعة ومرونة العديد من الخدمات لعملائها من خلال القنوات الالكترونية وحثتهم باستخدام العديد من الوسائل ومنها مواقع التواصل الاجتماعي لاستعمال هذه القنوات واحيانا اجبرتهم على ذلك، اضافة الى انه تم الغاء العمولات للتشجيع على استعمال الخدمات المتوفرة على هذه القنوات، الامر الذي ساهم بتحقيق قفزات كبيره مضاعفة باستخدامها من العملاء وكذلك استخدام انظمة الدفع الالكترونية المختلفة، وقد استطاعت البنوك النجاح والتميز بتحويل التحديات الى فرص في هذا المجال. بالمحصلة لم تتوقف اي اعمال مهمة وحساسة للبنوك، ان كانت قد اغلقت مؤقتا بعض منافذ تقديم الخدمات. وقد تعاملت البنوك مع التحديات بشكل سريع مع الحفاظ بذات الوقت على التواؤم مع المتطلبات المختلفة للامتثال. علما ان تركيز البنوك كان سابقا على عدم استمرارية العمل الناتجة من الامن السيبراني او الموردين الخارجيين وليس بسبب الامراض، وعلى الرغم من الاختلاف الا ان بعض الاجراءات تستخدم للجهتين.

في ذات الوقت كانت هناك عناية خاصة للمخاطر الناتجة عن الجرائم المالية واعتبارها اولوية للصناعة والخدمات المالية وما تشكل من تهديد لهذه الخدمات وللشمول المالي ايضاً، ومن اهمها كان الخطر السيبراني خاصة مع قيام البنوك بالعمل من خلال القنوات الالكترونية لتدعيم التباعد الاجتماعي وكذلك الخوف من انتقال الفيروس من خلال العملة الورقية، وازدادت حملات الانتحال والاحتيال الالكتروني والفيروسات، التطبيقات المزورة، كما انه هناك احتمالية لتنفيذ عمليات غسل الاموال من خلال القنوات الالكترونية التي تم تخفيف بعض القيود والسقوف عليها. اضافة الى استغلال حاجة بعض العملاء الى السيولة وبالتالي قيام غاسلي الاموال بشراء العقارات او المطاعم والمقاهي او الشركات المتوسطة والصغيرة التي لا تجد مصدرا للتمويل لاستمرارها في عملها. وبشكل عام كانت هناك مراعاة لعدم استغلال التوجه للعملات الرقمية في اخفاء الاموال الناتجة عن الجرائم المالية، ومن الضروري هنا استمرار التنسيق المتبادل بين البنوك والمؤسسات الرقابية بهذا الخصوص، علماً ان مجموعة العمل المالي FATF قد أصدرت ورقة بهذا الخصوص مؤخراً ، كما قام العديد من الجهات والدولية وبيوت الخبرة بإصدار تقارير وتوصيات بخصوص التعامل مع آثار الفيروس بشكل عام.

من الجدير بالذكر ان عدد من اكبر البنوك على المستوى الدولي التي كانت وضعت خططا مسبقة للاستغناء عن عدد من موظفيها قد أوقفت هذه الخطط على العكس من العديد من القطاعات الاخرى نظرا لأجواء عدم اليقين واحتمالات ان تعود البنوك للعمل بشكل كامل في اي وقت. ويشار الى انه في العديد من الاحيان قامت البنوك بتنفيذ بعض التحسينات التي كانت عادةً تتحمل وقتاً طويلاً بفترة قليلة تجاوباً مع بعض متطلبات استمرارية العمل.

اما الآثار المالية فمن المتوقع ان تكون الابرز خلال الفترات القادمة، نظرا لاستمرار التباطؤ الاقتصادي وفقاً لجميع التقارير الاقتصادية وابرزها توقعات صندوق التقد الدولي، وذلك ناتج عن الاغلاقات لمواجهة انتشار الفيروس وما يتبعه من انقطاع النشاط التشغيلي بشكل عام ولقطاعات معينة بشكل خاص، وتؤثر حلقات التزويد، انخفاض التدفقات النقدية، ارتفاع نسبة البطالة، وكذلك تعثر العديد من المؤسسات وزيادة حالات الافلاس وغيرها من النتائج على الجانب الاقتصادي، فقد تعرضت البنوك وستتعرض للضغوط على ربحيتها، حيث انه ووفقا لوكالة بلومبيرغ، قامت اكبر بنوك بالعالم خلال الربع الاول من العام الحالي بتجنيب مخصصات بقيمة 78.8 مليار دولار لمواجهة الزيادة المتوقعة بالديون غير المنتظمة. ولا يغيب ايضاً ان العديد من البنوك المركزية على مستوى العالم طلبت من البنوك الا تقوم بتوزيع ارباح للعام الحالي. وستعمل البنوك ايضاً كل جهدها لتخفيض حجم التكاليف لديها، حيث انه ونظرا لحالة عدم اليقين فانه من المتوقع قيام البنوك ببناء مخصصات خلال الارباع القادمة وما قد يتبع ذلك ضغوطات على ارباحها وعلى المراكز المالية للبنوك ومتانتها ورأس مالها. اضافة الى ان تاجيل سداد القروض سيؤثر على السيولة المتوفرة لدى البنوك.

تحاول الحكومات تخفيف الآثار الاقتصادية من خلال برامج تحفيزية من خلال عدة ادوات منها تقديم الضمانات لاستمرار تمويل بعض القطاعات المتضررة، وقامت البنوك المركزية بتخفيض اسعار الفائدة وعمل خطط ومنح برامج لدعم السيولة للمؤسسات المالية وتحديداً من تقوم بدعم الشركات المتوسطة والصغيرة. الدول التي ليس لديها قوة مالية لدعم القطاعات المتأثرة ستتعرض لضغوط كبيرة. ويلاحظ ان البنوك لعبت ويمكن ان تلعب دورا برجوع الاقتصاد الى حالة النمو، وذلك لكونها تتمتع بمستوى رأس مال مرتفع وكذلك تخضع لأنظمة رقابية جيدة، وقد قامت البنوك بنجاح بالتعامل مع البرامج التحفيزية التي قامت بها الدول وتحملت حجم الضغط التي بذلته لإنجاح هذه البرامج بذات الوقت الذي كانت تعمل ضمن ظروف تشغيل احترازية غير طبيعية. مع الاشارة الى ضرورة ان تتبع البنوك الممارسات المصرفية السليمة في اتخاذ القرارات الائتمانية حتى لا ينتج عن هذه البرامج زيادة في حجم الديون المتعثرة وبالتالي تتأثر متانة البنوك المالية وقدرتها على الاستمرار وخدمة الاقتصاد.

قامت البنوك بتعديل طرق ادارة مخاطر الائتمان من حيث أخذ العديد من الامور عند دراسة العملاء منها قدرتهم على استمرارية عملهم ضمن الظروف المختلفة، اضافة الى العمل دائما ضمن سيناريوهات عمل مختلفة تأخذ بعين الاعتبار العديد من سيناريوهات الاختبارات الضاغطة وبما يؤدي الى تحديد احجام المخصصات اللازمة وكذلك رأس المال الملائم للبنوك وبما يضمن المتانة المالية لها. ولدى اعداد المخصصات من قبل البنوك ستقوم بتعديل منهجيات ونماذج الاحتساب لديها معتمدة على سيناريوهات متعددة ومستوى البيانات المتوفرة وتقديرات ادارات البنوك، وستقوم بأخذ العديد من الامور بعين الاعتبار والتي تحتاج الى تحليل وتدقيق منها، مثال ذلك في مجال تمويل الشركات ستتم دراسة القطاعات التي تأثرت من الازمة، مثلا قطاع السياحة والمطاعم تأثرت بشكل اكبر مقارنة مع قطاع الاتصالات والاعلام، كما تأخذ بعين الاعتبار البلدان التي فيها هذه القطاعات. اما في مجال تمويل التجزئة فسوف يستلزم عمل تحليل ديموغرافي للمحفظة حيث ان هناك عملاء تأثروا بشكل اكبر من عملاء آخرين مثال ذلك العاملين في شركاتهم الخاصة. وبكل الحالات يتم أخذ التراجع المتوقع بمعدلات النمو الاقتصادي والعوامل الاقتصادية بعين الاعتبار وكذلك الدعم المقدم من الحكومة بسبب هذه الازمة.

نهاية من المتوقع ان تهتم الجهات الرقابية بشكل اكبر في مجال القدرة على التحمل والمرونة التشغيلية، وبعض الجهات الرقابية كانت تعمل عليها منذ فترة، ومن المهم ان يتم بالتنسيق مع البنوك والمؤسسات المالية، وتعتبر هذه الازمة تمرينا جيدا للتعلم للقطاعين العام والخاص لتحسين وسائلهم للتعامل مع امور عديدة منها البيانات. وكذلك ضرورة التنسيق والتعاون بين البنوك ذاتها والاستفادة من الخبرات المكونة لديها وبرعاية من البنوك المركزية وجمعيات واتحادات المصرفية المختلفة.

ستقوم البنوك بالتعلم ومعالجة الفجوات وعمل التغييرات اللازمة للتحسين وتحديث الاجراءات، وسيتم التركيز على المرونة التشغيلية، والعديد من البنوك قد تغير من نماذج عملها واساليبها التشغيلية، مثال ذلك من المتوقع ان يتم التركيز على العمل من المنزل بشكل اكبر وربما اكثر من العمل من المكاتب كأحد الوسائل المختلفة التي ستتبعها وقاية من جهة وكذلك لتخفيض مستهدف في النفقات من جهة اخرى، سيتم تبني اكبر للرقمنة من العملاء ومن الاعمال وبما يعني اختلافا لتوقعات وسلوك العملاء. ولمحدودي الموارد من البنوك يمكن التعلم من البنوك الاخرى وكذلك استخدام التوريد الخارجي لتقليل التكاليف ما أمكن.

من الناحية المالية ستضغط ازمة وباء كورونا على جودة اصول البنوك، وعلى تذبذب مصادر الاموال ويتوازى ذلك مع آثار الانخفاض الحاصل بأسعار النفط، والتي ستؤثر سلبا على مستوى السيولة لدى البنوك في بعض البلدان، حيث ستؤدي الى سحب الودائع الخاصة بقطاع النفط من البنوك وزيادة الديون غير العاملة ايضاً. البنوك ذات مستوى رأس المال المرتفعة والربحية القوية لن تتأثر بشكل كبير، الا ان استخدام الاحتياطيات المتوفرة لديها سيؤدي الى انخفاض قدرتها على التوظيف والاستثمار والمساهمة بالنمو الاقتصادي. وتدعيما لذلك وضمن اطار التخطيط لرأس المال لدى البنوك، لن يقوم العديد من البنوك بعمل توزيعات نقدية بعضها بالطبع مدفوعا بقرار من البنوك المركزية. وسيتأثر عدد من القطاعات كالعقارات التجارية، وقطاعات الضيافة مثل الفنادق والمطاعم وكذلك ستتأثر اسعار الضمانات. ويمكن ان تتأثر سيولة البنوك بسبب التذبذب بالأسواق المالية وكذلك سحب الودائع غير المستقرة والتأجيلات الحاصلة على سداد القروض. اضافة الى احتمالية قيام مؤسسات التصنيف الائتماني بتخفيض تصنيف بعض البلدان والبنوك وما يتبعه من زيادة الكلفة عليها، ومن المتوقع ان تستمرالبنوك المركزية بدعم السيولة لدى البنوك وبأسعار مخفضة تخفف كلفة الاموال على البنوك وكلفة الاقتراض على المقترضين.

وعلى البنوك ولغايات تأمين متطلبات العملاء المالية، الاحتفاظ بسيولة أعلى لمواجهة استخدام سقوف التسهيلات غير المستغلة، ومن الضرورة بناء خطط التعافي،والتركيز على الحوكمة المؤسسية والشفافية ومتطلبات الابلاغ والافصاح، وبناء التقارير الرقابية والتحليلية الملائمة وكل ذلك يعتبر امتدادا للجهود التي بدأت مع الازمة المالية العالمية السابقة.

* خبير مصرفي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock