ترجمات

كيف أصبح إسلامي “صانعَ الملوك” غير المتوقع في إسرائيل

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

إيدو كونراد* – (مجلة 972+) 24/3/2021
يُظهر سقوط “القائمة المشتركة” وصعود زعيم “القائمة العربية الموحدة” منصور عباس أن السياسة الإسرائيلية لم تعد قادرة على تجاهل المواطنين الفلسطينيين، حتى لو انتهى الأمر إلى تعزيز اليمين. وتشكل حقيقة أن قائداً إسلامياً يمكن أن يصبح صانع ملوك محتمل في السياسة الإسرائيلية تحولاً جوهرياً في المبدأ، والذي يمكن أن تكون له آثار كبيرة وطويلة الأمد. ومع ذلك، فإن مناورات عباس السياسية الماكرة تظل بعيدة كل البعد عن كونها السبب الوحيد لانتصار “القائمة” وانهيار “القائمة المشتركة”.
* * *
قبل بضعة أشهر خلت، لم يكن لدى غالبية اليهود الإسرائيليين أي فكرة عمن يكون منصور عباس. عاش رئيس تحالف “القائمة الموحدة” الإسلامي -أحد الفصائل الأربعة التي يقودها الفلسطينيون والتي شكلت سابقًا “القائمة المشتركة”- إلى حد كبير في ظل شخصيات من أمثال رئيس القائمة المشتركة، أيمن عودة، وعضو الكنيست منذ فترة طويلة، أحمد الطيبي، وهما اثنان من أبرز السياسيين الفلسطينيين في إسرائيل.
مع ذلك، خلال الأشهر الماضية، أصبح طبيب الأسنان الذي تحول إلى سياسي اسمًا مألوفًا تماماً للجمهور الإسرائيلي. وصباح الأربعاء في الأسبوع الماضي -عندما أصبح واضحًا أنه ليس لدى نتنياهو ولا منافسيه العدد اللازم من المقاعد لتشكيل ائتلاف بعد الانتخابات التي أجريت يوم الثلاثاء- بدا أن عباس، الذي توقع المراقبون أن يفوز بخمسة مقاعد في الكنيست، قد تكون لديه القدرة على تقرير ما إذا كانت إسرائيل ستذهب إلى جولة خامسة من الانتخابات في غضون عامين، أو أنها ستنصِّب حكومة جديدة.
ولم تكن هذه النتيجة ضربة حظ؛ كان عباس يهيئ لهذه اللحظة منذ شهور. في كانون الثاني (يناير)، دفع حزبه “القائمة العربية الموحدة” (المعروفة في إسرائيل باسم “راعم”) إلى الانفصال عن “القائمة المشتركة”. وخلافًا لما حدث في الانتخابات السابقة، التي روج فيها عباس لأجندة سياسية ودينية معتدلة، جعلت حركة “راعم”، كما يُعرف حزبه في إسرائيل، من الفكر المحافظ حجر الزاوية في برنامجها السياسي الجديد، بما في ذلك تأكيد معارضتها لحقوق مجتمع المثليين.
وإضافة إلى ذلك، أعاد عباس تصنيف نفسه على أنه “براغماتي” عن طريق تقديم مبادرات علنية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والجناح اليميني الإسرائيلي على أساس “المصالح المشتركة”. وشمل ذلك مطالبة القائمة العربية الموحدة (والقائمة المشتركة) بزيادة ميزانية الحكومة المخصصة لمعالجة أخطر القضايا التي يعانيها المجتمع الفلسطيني في إسرائيل، بما في ذلك الجريمة المنظمة، والعنف المسلح، ومشكلة بناء المساكن في المجتمعات العربية.
وتشكل حقيقة أن قائداً إسلامياً يمكن أن يصبح صانع ملوك محتمل في السياسة الإسرائيلية تحولاً جوهرياً في المبدأ، والذي يمكن أن تكون له آثار كبيرة وطويلة الأمد. ومع ذلك، فإن مناورات عباس السياسية الماكرة تظل بعيدة كل البعد عن كونها السبب الوحيد لانتصار “القائمة” وانهيار “القائمة المشتركة”. وفيما يلي بعض العوامل الرئيسية التي أوصلتنا إلى هذه اللحظة.
إستراتيجية نتنياهو: فرق تسد
على مدار العام الماضي، نجح رئيس الوزراء في تحييد أي تهديد ذي مصداقية لحكمه. ذلك أن مستقبل نتنياهو السياسي، وقدرته على إلغاء محاكمته بالفساد والبقاء حراً، تعتمد كلياً على احتفاظه بالسلطة في الحكومة.
ومع وضع هذا في الاعتبار، نجح رئيس الوزراء في تقسيم قيادة منافسيه في حزب “أزرق أبيض”، الذي كان قد حصل العام الماضي على 33 مقعدًا في الكنيست (أقل بثلاثة مقاعد فقط من مقاعد الليكود البالغة 36 مقعدًا)، بدعوة بيني غانتس للانضمام إلى “حكومة الوحدة”، وكان من المفترض أن يخدم غانتس في منصب رئيس الوزراء كجزء من صفقة للتناوب على المنصب. وقام نتنياهو في الوقت نفسه بتقسيم تحالف يسار الوسط من أحزاب “العمل” و”غيشر و”ميرتس” عن طريق إدخال عمير بيرتز، من حزب العمل، إلى حكومة الوحدة ثم عرض مكان في قائمة الليكود على أورلي ليفي من حزب غيشر.
بعد فوز “القائمة المشتركة” العربية غير المسبوق بـ15 مقعدًا في الكنيست الإسرائيلي، كان نتنياهو يعرف بالضبط من هو الذي سيضعه نصب عينيه بعد ذلك. وخلال الحملة الانتخابية في الأشهر الماضية، قام رئيس الوزراء بجولة في المجتمعات العربية في جميع أنحاء إسرائيل، حيث تفاخر بمعركته ضد جائحة “كوفيد19” وادعى أن السنوات التي قضاها في التحريض العنصري ضد المواطنين الفلسطينيين كانت مجرد سوء تفاهم، ببساطة.
وقبل أقل من أسبوع من إجراء الانتخابات الأخيرة، ذهب نتنياهو إلى حد الادعاء المضحك بأن “قانون الدولة القومية اليهودية”، الذي يكرس دستوريًا مكانة الفلسطينيين في إسرائيل مواطنين من الدرجة الثانية، لم يكن يستهدف العرب أبدًا، وإنما استهدف طالبي اللجوء الأفارقة.
وعلى الرغم من أن معظم المواطنين الفلسطينيين لم يقتنعوا بعاطفة نتنياهو الدافئة المفاجئة هذه تجاه العرب، فإن كثيرين منهم كانوا قد أصيبوا بخيبة أمل كبيرة من عدم قدرة “القائمة المشتركة” على إحداث تأثير ملموس على حياتهم اليومية من موقعها في المقاعد الخلفية للمعارضة.
صرْف غانتس
في انتخابات آذار (مارس) 2020، قام بيني غانتس، زعيم حزب “أزرق أبيض”، بإدارة حملة تستند بالكامل إلى الوعد بالتخلص من نتنياهو. وبعد فوز أحزاب المعارضة بأغلبية الأصوات، بدا أخيرًا أن حقبة جديدة من السياسة الإسرائيلية باتت وشيكة. وعندما حان الوقت، اتخذ كل فصيل في “القائمة المشتركة” القرار الجريء بالتوصية بغانتس -رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق الذي تفاخر بعدد الفلسطينيين الذين قتلهم في غزة- لقيادة الحكومة المقبلة.
لكن غانتس نكث بوعده. وبدلاً من دعم أي شكل من أشكال الشراكة العربية-اليهودية، حطم غانتس التزامه تجاه ناخبيه وانضم إلى حكومة رئيس الوزراء، جزئيًا تحت ذريعة جائحة “كوفيد19”. ويستمر صدى هذا القرار في التردد بعد عام. فمن خلال إدارة ظهره لخُمس مواطني إسرائيل، أرسل غانتس رسالة بسيطة إلى الناخبين الفلسطينيين: نحن لا نهتم بأمركم.
عادت إلى الظهور لمحات من الشراكة العربية-اليهودية المحتملة بين يسار الوسط الصهيوني، الذي يبدو أنه استوعب حقيقة أنها لا توجد طريقة لبناء معارضة لكتلة نتنياهو اليمينية من دون دعم الأصوات الفلسطينية، بما في ذلك إدراج ممثلين فلسطينيين على قوائمهم الحزبية الخاصة. ومن غير المؤكد ما إذا كانت هذه الشراكة ستعالج بالفعل الاحتياجات السياسية للمواطنين الفلسطينيين، أو أنها ستجلب إلى دائرة الاستنطاق الامتياز اليهودي المتوطن في السياسة والمجتمع الإسرائيليين.
الفجوة الأيديولوجية في “القائمة المشتركة”
عندما أوصت “القائمة المشتركة”، بناء على طلب أيمن عودة، بغانتس رئيسا للوزراء في الجولتين الانتخابيتين الأخيرتين (أيلول (سبتمبر) 2019 وآذار (مارس) 2020)، فإنها أظهرت أن المواطنين الفلسطينيين قادرون على أن يكونوا لاعبين مركزيين في النظام السياسي الإسرائيلي. وقال عودة إن التخلص من نتنياهو والخروج من عنق الزجاجة في السياسة الإسرائيلية كانا أولوية قصوى للمواطنين الفلسطينيين من أجل أن يكون لديهم أي أمل في الدفع بأجندة مجتمعهم.
وعندما فشل ذلك النهج، قرر منصور عباس أن الوقت قد حان لكي يستقل ويتابع مسعاه وحده. ومن خلال تقديم عروضه لنتنياهو، يمكن لعباس أن يدعي بسهولة أنه يقلد عودة ببساطة العمل مع أي شخص يخدم مصلحة جمهوره، بغض النظر عما إذا كان قد حرض ضدهم أو تفاخر بقتل الفلسطينيين في غزة.
ومع ذلك، ثمة فجوة أيديولوجية هائلة بين الاثنين. فعودة هو فلسطيني يساري يؤمن بالشراكة العربية اليهودية القائمة على نظرة تقدمية للعالم، والاعتراف بأن الفلسطينيين في إسرائيل يقاتلون من أجل حقوقهم الوطنية والمدنية. أما عباس، فلا يهتم بشكل خاص بالنضال الفلسطيني، وقد انطوت حملته الأخيرة على ازدراء صريح للقضايا التقدمية. وفي حين أن صورته التي رسمها لنفسه بأنه “براغماتي” قد تجعله مرشحًا أكثر تنوعًا، إلا أنها تظل تنطوي على تخليه عن المبادئ السياسية التي أبقت على القيادة الفلسطينية في إسرائيل لعقود.
ومع ذلك، يشكل التوجه الجديد لعباس تحديًا مباشرًا لـ”القائمة المشتركة”. فبينما كانت “القائمة” تكافح من أجل إثارة الحماس بين المواطنين الفلسطينيين، أصبح عباس محبوبًا لوسائل الإعلام وحاضراً في كبرى الاستوديوهات الإخبارية الإسرائيلية، بما في ذلك القناة 20 الموالية لنتنياهو. وفوق ذلك، دعا عباس نتنياهو ليكون ضيفًا خاصًا في اجتماع “لجنة الكنيست للقضاء على الجريمة في الوسط العربي”، حيث خصص القائد الإسلامي وقتًا لرئيس الوزراء لمخاطبة الأعضاء. كما لم يستبعد عباس دعم القوانين التي سيكون من شأنها إلغاء محاكمة نتنياهو الحالية. باختصار، فتح عباس الباب لجعل المواطنين الفلسطينيين جزءاً أساسياً من حكم نتنياهو المستمر.
تقسيم الأصوات الفلسطينية
وكتبت يونيت موزيس في موقع “لوكال كول”، أظهرت جولات الانتخابات الأربع الماضية أنه عندما يكون هناك انقسام سياسي في تمثيل المجتمع العربي (كما حدث في انتخابات نيسان (أبريل) 2019 ومرة أخرى الأسبوع الماضي)، فإن حوالي نصف الناخبين الفلسطينيين يكونون غير مهتمين بالمشاركة في اللعبة؛ عندما تتحد الأحزاب، يقفز الإقبال على صناديق الاقتراع كما حدث في أيلول (سبتمبر) 2019 وآذار (مارس) 2020، (مع فوز القائمة بـ13 و15 مقعدًا على التوالي).
هذه المرة، أدى الغضب الملموس بين المواطنين الفلسطينيين بسبب تفكك “القائمة المشتركة” إلى انخفاض المقاعد العربية من 15 مقعدًا في الكنيست إلى 11 مقعدًا المتوقعة بين “راعم” و”القائمة المشتركة” مجتمعتين. وقد تمكنت “راعم” من حشد ناخبيها من تلقاء نفسها، مما يدل على أن “القائمة” لم يعد بإمكانها الادعاء بأنها الممثل لجميع المواطنين الفلسطينيين في الكنيست.
وفي حال ذهبت إسرائيل إلى انتخابات أخرى، لن يكون من السهل على القادة الفلسطينيين في إسرائيل استعادة ثقة ناخبيهم. لكن ما هو مؤكد أن نتنياهو سعى إلى تثبيط التصويت العربي من خلال تأجيج نيران تمزق “القائمة المشتركة”، ولن يتردد في فعل ذلك مرة أخرى إذا كانت “القائمة” لتشكل في أي وقت تهديدًا لمستقبله السياسي.
في الوقت الحالي، ليس هناك ما يضمن أن تتمكن مناورة نتنياهو مع عباس سوف من إبقائه في السلطة، ولا أن تكون حكومة مدعومة من عباس قادرة على الصمود في ضوء التفوق اليهودي اليميني المتطرف الذي يحتاج إلى أن يصادق على التحالف.
كما أنه من السابق لأوانه معرفة الاتجاه الذي سيتخذه عباس هل سيدعم نتنياهو، أو أنه سيحاول تشكيل ائتلاف “بديل” مع يائير لبيد، أو أنه سيأخذ إسرائيل إلى انتخابات خامسة. ومع ذلك، فإن ما هو واضح هو أن سقوط “القائمة المشتركة” وصعود عباس إلى مكانة “صانع ملوك” محتمل يشكلان تذكيرًا بأن السياسة الإسرائيلية لم تعد قادرة على تجاهل المواطنين الفلسطينيين حتى لو انتهى بها الأمر إلى تعزيز اليمين.
*رئيس تحرير موقع “مجلة 972+”، مقره في تل أبيب. عمل سابقًا محررًا في صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: How an Islamist became Israel’s unlikely political kingmaker

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock