قضايا

كيف تحلّ المهملات ضيفة في منازلكم؟

باميلا كسرواني

“عملية إعادة التدوير هي حياة ثانية ودائرة متكاملة” لأنها تُعيد استعمال القمامة وتمنح وظائف جديدة لشرائح مختلفة من المجتمع، بهذه العبارة عرّف علاء زيادة دخوله عالم إعادة تدوير النفايات من أجل تحويلها إلى أثاث يزيّن منازلنا.
فهذا الشاب الأردني البالغ من العمر 26 عاماً والحائز على شهادة في هندسة المساحة، وجد أن الهندسة لا تُلائمه بعد عام من العمل قائلاً “أردت أن أؤسس مشروعاً خاصاً بي وألا أعمل عند أحد”. وفي أحد الأيام، قرر أن يوجّه اهتمامه إلى التصميم.
ويحكي لنا “كنت مع صديقي ساهر معايطة الذي يملك مكتبة وتحدثت معه عن فكرة بناء مُجسمات مُعاد تدويرها. لكنني كنت مرتبكاً لأن فكرة العمل بالنفايات غير مقبولة في الشرق الأوسط والجميع قال لي ستترك الديبلوم حتى تشتغل بالزبالة!” 
إلا أن ما يفكّر به الناس لم يهمّه كثيراً، فقرّر أن يصنع أول قطعة له متوجهاً إلى متجر الكنافة المعروف في عمان “حبيبة” بحثاً عن الملاعق والأطباق البلاستيكية، فقام بتنظيفها وصنع منها الثريات التي باعها لاحقاً لأصدقائه.
ورأى علاء أن فكرته ناجحة فقرر أن يصمم قطع مفروشات أخرى وأسس، العام 2014، شركته “زيادات للتدوير” التي أنشأ لها صفحة على فيسبوك لتكون مرآة لتصاميمه. ويقول “النفايات زادت في الأردن ووجدت أن هذه الفكرة مثالية لأنني أستطيع المساهمة في حل مشكلة النفايات. فطوّرت هذا الاهتمام وجلت على الحرفيين والصناعيين من أجل تعلّم الأساسيات وبدأت أدرس عن موضوع إعادة التدوير recycling وإعادة التدوير للأفضل upcycling”.
طاولات من الخشب والسيراميك، رفوف للكتب، أسرة، كراسي، طاولات، ثريات… كل ما يجول على بالكم، علاء قادر على تصميمه من أجلكم بفضل النفايات؛ كان يجول الشوارع بداية للبحث عنها إلا أن الشارع لم يعد كافياً لاسيما أن كثيرين يجمعون النفايات لبيعها ما اضطره إلى شراء المواد من محلات الخردة. وبالإضافة إلى ذلك، يقول لنا علاء “بدأت أقول للناس أن يتصلوا بي متى يكون لديهم نفايات يمكن إعادة تدويرها فأمرّ عليهم لجمعها. وتفاجأت بأن تجاوبهم يتزايد يوماً بعد يوم مما يسهّل مهمتي”.
يستخدم علاء مختلف المواد في تصاميمه. فبفضل أنابيب حديدية قام بتنظيفها صممّ القوائم الأربعة من طاولة صنعها من الخشب المُعاد تدويره والسيراميك الملوّن. ويقول لنا علاء “أعمل بمفردي وغالباً ما أحتاج إلى يوم كامل لتصميم قطعة واحدة”.
قطع متنوعة الأشكال والألوان والمواد تتراوح أسعارها بين 12 دولارا إلى 500 دولار. ولا يريد علاء أن تكون أسعاره باهظة الثمن كما هي العادة في كل ما يتعلق بالقطع أو الأكسسورات المُعاد تدويرها، أكان في المنطقة العربية أو أوروبا، حيث غالباً ما تكون مرتفعة الثمن لا بل العكس. ويشرح لنا “أريد أن أقدم أرخص الأسعار ليتمكن الغنيّ والفقير من شراء قطعي. فتخيّلوا عدد منازل الفقراء التي نستطيع أن نفرشها!”
ونظراً لإمكانياته المحدودة، لا يصمم علاء أي قطعة من دون أن يكون الزبون قد وافق عليها. ويشرح لنا “أقدم له عدداً من التصاميم لطاولة مثلاً ومتى نتّفق على المواد والشكل، أقوم بالتنفيذ”. إمكانيات محدودة لم تسمح له بإطلاق حملة تسويقية واسعة، لا بل ما يزال يعتمد حتى الآن على الزبائن الذين يتناقلون أخباره في ما بينهم. “أمر نجح حتى الآن. ففي حين كان زبائني في البداية من الأجانب بشكل أساسي، باتوا اليوم 50 % من الأجانب و50 % من الأردنيين”.
كونه يعمل وحيداً لا يملك الوقت الكافي أيضاً لتحديث صفحته على فيسبوك قائلاً “لدي مئات الصور التي لم يتسنَ لي الوقت بعد لتحميلها. أبدأ العمل في الثامنة صباحاً ولا أعود إلى البيت إلا متأخراً في الليل”.
إلا أن مشوار علاء ليس خالياً من المطبّات. فإضافة إلى العمل وحيداً ولساعات طويلة، يواجه مشكلة العائدات. ويخبرنا “كل ما أجنيه، أستثمره مجدداً في شركة “زيادات” لإعادة التدوير” ولا أملك المال لتوسيع المشغل أو توظيف عمال أو حتى إطلاق حملة تسويقية وحتى الإيجارات باهظة الثمن”.
ويرى أن معظم التحديات التي تواجهه تتمحور حول الماديات إلا أنه يقول “لا أنتظر أي دعم، لا بل الصبر لكي أطوّر شركتي بنفسي”. صبر يتحلّى به علاء هو الذي يرى أن الأردنيين بدأوا يفهمون ويدركون أكثر أهمية إعادة التدوير. ويحضّر للسفر إلى فرنسا للحصول على الخبرات ويحلم بأن “أطور شركتي خلال السنوات الأربعة المقبلة مع فريق عمل ومعرض من أجل أن أفيد الناس وتحديداً الفقراء”.  ويتابع “أنا أصبر لأن إعادة التدوير قد تساهم في التغيير إلى الأفضل لحياة كثيرين، من النساء اللواتي لا يستطعن العمل خارج منازلهن في مجتمعاتنا العربية إلى العاطلين عن العمل”.
 قطاع إعادة التدوير إلى الأمام
يرى علاء أن المجتمع الأردني والعربي بشكل عام بدأ يتفهّم أكثر أهمية عمليات إعادة التدوير إلى الأفضل حتى لو أن الطريق ما تزال في بداياتها. ويقول “قطاع إعادة التدوير يسير إلى الأمام في الأردن والمنطقة العربية. نحن شعب مستهلك أكثر منه منتج. ونظراً للظروف السياسية والاقتصادية، ستصبح عملية إعادة التدوير ضرورية مهمة مثل الأكل”.
بدايات لا بد أن تتطور بوتيرة عالية لاسيما أن إنتاج النفايات في المنطقة العربية إلى تزايد. فبحسب تقرير أصدره البنك الدولي عام 2012، كان معدل إنتاج النفايات في العالم عام 2002، 0،64 كيلوغرام باليوم الواحد ليرتفع إلى 1،2 كغ/لليوم عام 2012 ومن المتوقع أن يستمر بالتزايد ليصل إلى 1،42 كغ/ لليوم في 2025.
ومن بين الدول العربية الواردة في التقرير، حققت اليمن أدنى إنتاج على مستوى الفرد عام 2012 فيما الإمارات العربية المتحدة مثّلت الانتاج الأعلى. تنتج كل من الأردن ومصر وفلسطين وموريتانيا وتونس والمغرب والجزائر أقل من الكيلوغرام الواحد في اليوم. وفاق إنتاج النفايات عتبة الكيلوغرام الواحد في كل من الإمارات (2،2 كغ/ لليوم) والكويت (1،4) وقطر (1،3) وسلطنة عمان (1،1) والسعودية (1،3) فيما ينتج كل من لبنان والبحرين كيلوغراماً في اليوم.
إنتاج نفايات إلى تزايد، وأزمات نفايات من دون معالجة كما في لبنان، وتوعية ما زالت خجولة؛ قد يكون هذا هو واقع حال معالجة النفايات في عالمنا العربي. إلا أن الجميع يدرك أهمية عمليات الفرز وإعادة التدوير، بدءاً بالمحافظة على البيئة والتقليص من التلوث مروراً بخفض الطلب على المواد الخام وتوفير الطاقة وصولاً إلى تحقيق عائدات اقتصادية من قطاعات مختلفة.
يبقى أن تترجم هذه الأقوال إلى أفعال عملية على الأرض على غرار ما فعله علاء وشركته “زيادات” وغيره من رواد الأعمال العرب الذين لم يترددوا في إطلاق شركاتهم في مجال النفايات مثل “منتجات ن”  و”وايست” وغيرها. مبادرات فردية وصغيرة وإنما ضرورية في مشوار الألف ميل نحو منطقة لا تهدر نفاياتها.

متخصصة في الثقافة والمواضيع الاجتماعية

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock