قصة اخبارية

كيف تحول اليورو إلى مصيدة

ترجمة: ينال أبو زينة

عندما قدموا عملة اليورو لأول مرة في العام 1999؛ قال قادة أوروبا إن “العملة الموحدة ستكون قراراً لا رجعة فيه وأنها ستقود إلى مزيد من التكامل الاقتصادي والسياسي بين دولهم”.
لكن؛ يبدو أن هذا التعهد بات أقل مصداقية الآن من أي وقت مضى.
وفي حين أن منطقة اليورو ربما تكون تفادت خروج اليونان مؤقتاً، إلا أنه لمن الصعب مشاهدة كيف يمكن لصفقة تتطلب تخفيض الإنفاق، إلى جانب فرض ضرائب أعلى ووعود غامضة لتخفيف الديون، أن تعيد اقتصاد الدولة المُدمر بما يكفي لتبقى اليونان في اتحاد العملة الواحدة.
أقر البرلمان اليوناني أخيرا مجموعة ثانية من الإصلاحات التي طلبها دائنو الدولة.
وفيما يخص التغيرات الأخرى، مثل فرض ضرائب أعلى على المزارعين، فهي أمور متوقعة الحدوث في وقت لاحق من العام الحالي.
وكان وزير المالية الألماني، فولفغانغ شويبله، قد قوض الثقة أكثر بتلاحم منطقة اليورو قائلاً إن “اليونان ستكون أفضل حالاً في حال غادرت العملة الموحدة لمهلة من خمس سنوات”.
وكمسألة عملية؛ فإن الخروج من اتحاد اليورو سيكون دائماً بشكل مؤكد، لاسيما وأن إعادة القبول تنطوي على عملية شاقة.
وتحتاج منطقة اليورو إلى أعضاء جدد للحفاظ على معدل التضخم لديها تحت
 2 %، ولإبقاء عجزها المالي في حدود
الـ3 % من الناتج المحلي الإجمالي، وإلى تثبيت الدين العام لديها عند الـ60 % من الناتج المحلي الإجمالي أيضا.
وبصراحة الأمر، جعلت أزمة اليونان الدول الأوربية التي لا تستخدم عملة اليورو، مثل بولندا وهنغاريا، أقل توقاً للانضمام إلى اتحاد اليورو، الذي أمسى حديثاً يعني التنازل عن السيادة وتقلد سياسة التقشف، على الرغم من الواقع الاقتصادي.
وبطبيعة الحال، لم تكن عملة اليورو أمراً يتعلق بالاقتصادات تماماً في أي وقت.
ويعتقد القادة الأوروبيون أن العملة الموحدة مثلت خطوة تقدم هامة نحو إقامة تحالف غير قابل للإلغاء بين الدول في قارة أوروبا. ولكن العديد من الخبراء حذروا من أن ذلك سيجعل أعضاء التحالف أقل استقراراً إلا أذا تم اتباع ذلك باتحاد متشدد السياسة والميزانية.
وفي ضوء أن ذلك لم يحدث؛ تُرك اتحاد العملة الواحدة عُرضةً للأزمات المالية وليخضع لإرادة أقوى الاقتصادات في أوروبا.
لقد لعبت جميع هذه المخاوف أدوارها الرئيسية في اليونان، حتى وإن كان تهديد الخروج من اليورو يخيم على أجواء الدول الضعيفة الأخرى مثل إيطاليا البرتغال وإسبانيا.
ويبدو القادة البارزين في ألمانيا وفنلندا وسلوفاكيا، الذين اقترحوا علناً خروج اليونان من إتحاد اليورو، يرون هذه المناسبة على أنها ستدب الرعب في أوصال الاقتصادات الأضعف لتتقبل المزيد من الإجراءات التقشفية.
قد لا يكون ذلك ضرورياً؛ فهناك بعض الأحزاب المتطرفة في هذه الدول التي تتحدث علناً عن الخروج من اليورو.
والسؤال الآن هو ما هي تكلفة الخروج من اليورو؟ وهل يستطيع اقتصاد حديث أن يتحمل الأضرار المباشرة لتغير العملة المفاجئ، لاسيما وأن الفوائد المترتبة على تخفيض العملة –إلى جانب استعادة السيطرة الكاملة على السياسات المالية والنقدية- قد تكون محدودةً وقد تستغرق سنوات لتتحقق؟
وعلى سبيل المثال هنا، يمكن أن تساعد العودة إلى العملة اليونانية القديمة الدراخما، والتي سوف يتم تداولها بقيمة تقل بكثير عن قيمة اليورو، أن تساعد الاقتصاد اليوناني من خلال جعل منتجعاتها وتجارة زيت الزيتون خاصتها –بالإضافة إلى جبن الفيتا- أرخص ثمناً للسياح والمشترين الأجانب.
 وقد يصبح باستطاعة الدولة أيضاً أن تتحكم بسياستها النقدية بنفسها، عبر ضخ المزيد من الأموال في الاقتصاد لتحفيز الإقراض أكثر من الاعتماد على البنك المركزي الأوروبي، الذي فعل بالقليل جداً حتى الآن.
ولكن الخروج من اليورو يعني أن قلة من المؤسسات الأجنبية والمستثمرين سيكونون على أهبة الاستعداد لإقراض الحكومة، وربما لسنوات عديدة بعد الخروج حقيقةً.
وسيصعب ذلك على الحكومة اليونانية شراء الواردات الأساسية مثل الأدوية والنفط والغاز.
وربما ينهار النظام المالي على الأغلب تحت ضغوطات تشغيل وإدارة البنوك.
 ويخشى الكثير من اليونانيون أيضاً أن تقود عودة الدراخما إلى تضخم هائل وسريع في حال طبع البنك المركزي اليوناني الكثير من هذه العملة لدعم الاقتصاد.
وهذا كله دون أن نكون أخذنا بالاعتبار التحديات اللوجستية مثل عقود إعادة تقييم العملة وطباعة عملة ورقية جديدة.
بنفس سوء الأمر الذي قد يحدثه الخروج بالنسبة إلى المدينين، يمكن للدول المقرضة مثل ألمانيا أن تتضرر أيضاً.
فقد تفقد الأخيرة معظم الأموال التي أقرضتها للدول متعذرة الحال في السنوات القليلة الماضية.
ومن المحتمل أيضاً أن يعزز خروج اليونان من قوة اليورو، والذي من شأنه أن يتسبب بأضرار جسيمة للمصدرين في دول منطقة اليورو الأخرى في ضوء أنه يجعل من سلعهم أكثر تكلفة في السوق العالمية.
ونظراً لمعطيات الخسارات الفورية في سيناريو خروج اليونان، سيكون الدائنون “مجانين” إن جعلوا الأمر لا مفر منه –كما تبدو شروط الإنقاذ الأخير وأنها تفعل.
والذي ينبغي أن يفعلوه هنا هو تغيير السياسات الاقتصادية التي حولت اتحاد العملة الواحدة إلى مصيدة منهكة لا تستطيع الدول الإفلات منها دون تجرع المزيد من الآلام.-(نيويورك تايمز)

[email protected]

مقالات ذات صلة

السوق مغلق المؤشر 1791.97 0.03%

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock