ترجمات

كيف تحول روبرت موغابي من بطل قومي إلى طاغية

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 6/9/2019
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
في الكتُب وضع ثقته. وكان واحد منها غالباً في يده في تلك السنوات الأولى، السعيدة غالباً، كزعيم لزيمبابوي. كان يعود إلى منزله في مبنى مقر الدولة بحلول الساعة 5.30 مساءً؛ حيث يصفق الأبواب حتى تعرف حبيبته سالي وتأتيه على عجل. وكانا ينهدّان معاً على مقعد منخفض بذراعين، في حضن بعضهما بعضا تقريباً؛ هي تتناول الكسترد وهو يحتسي الشاي. ثم يلف ذراعاً طويلة حولها، بينما يستخدم الأخرى لتقيلب صفحات رواية مفضلة، عادة ما تكون بريطانية، وغالباً لغراهام غرين.
استطاع أن يحب الكلمات المكتوبة. لكنهم أولئك الناس الحقيقيون الأحياء هم الذين تبين أنهم صعبون على الحب. كفتى خجول لين العريكة، لم يبحث عن أصدقاء في كوتاما، قريته. وفي وقت لاحق اعترف بصراحة: “لقد عشت في داخل عقلي كثيراً. أحببت التحدث مع نفسي، وإلقاء بعض القصائد وما إلى ذلك؛ وكنتُ أصف الأشياء بصوت عالٍ لنفسي”. وكمحب للوحدة، كره الخربشة على التراب بالعصي والجري وألعاب الأولاد الصاخبة، والحياة المجتمعية. وفكر فيه أحد إخوته، دوناتو، على أنه “كسول، يقرأ كل الوقت”. وحتى مع النشاطات الروتينية، في ظلال الأدغال بينما يطارد الطيور أو يتجول في الغبار وهو يرعى الماشية، كان يقرأ. وقد حمل الكتاب بيد والسوط بالأخرى. ويتذكر دوناتو: “كانت رؤية ذلك شيئاً غريباً بالنسبة لنا جميعاً”.
أخبر الكاهن الأيرلندي في بعثة القديس فرنسيس كزافييه، البعثة الكاثوليكية في كوتاما، والدة روبرت الشابة بأن لدى الفتى “وقار غير عادي”، وسيكون “شخصاً مهماً”. كان يحضر الصلوات يومياً، بمنتهى الإخلاص، بعد وفاة أخيه الأكبر، مايكل، نتيجة لتناول ذُرةً سامة. وتبعت ذلك سنوات عمله كمدرِّس: أولاً في جنوب روديسيا، ثم في فورت هير بجنوب إفريقيا، التي كانت بوتقة تجمع الكثير من القوميين الأفارقة، وأخيراً في غانا، حيث التقى بسالي.
كقوميّ أفريقي في روديسيا، التي حكمها إيان سميث باسم التفوق الأبيض، كان دخوله السجن حتمياً. وقد تذكر أعوامه الأحد عشر التي قضاها خلف القضبان بسبب معارضته حكم الأقلية البيضاء على “قطعة من الحياة” سُرقت بلا معنى. ومرة أخرى، ساعدته الكتب على الاستدامة. حصل على سبع درجات علمية. وكما فعل مع مانديلا ونكروما وكنياتا، أكسبه السجن أيضاً مصداقية سياسية. وكان النشاط السياسي في الهواء الطلق أكثر صعوبة. في موزامبيق بعد إطلاق سراحه، بينما كان زملاؤه المقاتلون من أجل التحرير يتبخترون في ملابس “الفوتيك”، كان هو يتصبب عرقاً، حاشراً نفسه في بذلة.
طوال حياته، واجه منافسوه، بطريقة ما، ميتات غريبة في الوقت المناسب. سياراتٌ كانت تُسوّى بالأرض بفعل شاحنات على الطرق النائية؛ وبيت مزرعة تلتهمه النيران؛ وخصوم تعلموا الخوف من النوافذ العالية المفتوحة. القليلون أحبوه. والبريطانيون سخروا منه في بعض الأحيان. في لانكستر هاوس في لندن، وسط حديث عن الاستقلال والانتخابات، وجده وزير الخارجية البريطاني “من الزواحف” و”ليس من البشر”. وفي الوطن، اعتقد الناخبون غير ذلك. واندفع ماضياً باكتساح إلى نصر حقيقي مجيد في أول انتخابات حرة في العام 1980. وفيما صدم سميث والمزارعين البيض وأراحهم، سمح لهم بالبقاء والاحتفاظ بأراضيهم إذا امتنعوا عن الانخراط في السياسة. وازدهر المعلم. كان الزيمبابويون من بين أفضل الشعوب تعليماً في إفريقيا، وشهدت الأمسيات في مقر الدولة رئيس الوزراء وهو يقوم بتدريس موظفيه شخصياً.
ألقى باللوم على بريطانيا في كل العلل، بما في ذلك الانهيار الاقتصادي الكامل لبلده، والذي كان قد جلبه هو نفسه في العقد الأول من هذا القرن. ارتفع التضخم محلِّقاً إلى 500 تريليون دولار؛ وفر من البلد جيل من الناس. وادعى الرئيس أن البريطانيين حنثوا بوعدهم بشأن دفع تكاليف إصلاح الأراضي. ومع ذلك، ظل يشتاق إلى إنجلترا، والتسوق في لندن، وشارع الأزياء في سافيل رو، والكريكيت واحتساء شاي الصباح مع “جوني” ميجور. وكان ما يزال أكثر غراماً بالعائلة المالكة، حيث يحكي -مع غمزة- عن سعادة الملكة في زياراتها إلى زيمبابوي.
حكمٌ بالسوط
مع كل الكتب، لم يكن السوط بعيداً أبداً. في أوائل الثمانينيات من القرن العشرين، نظر صوب كوريا الشمالية لتدريب جنوده على سحق قبيلة الأقلية الرئيسية في البلد، نديبيلي. واعترف بأن رجال أمنه ارتكبوا بعض “التجاوزات” عندما تم إحراق سكان مجتمعات قروية بأكملها في أكواخهم. وأنكر الحديث عن 20.000 ضحية ووصف نفسه بأنه “متسامح” -“وإلا لكنتُ قد ذبحت الكثير من الناس”. ومع ذلك، شجعه خوفه من المحاكمة عن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية على التمسك بالمنصب.
أصبح حكمه أكثر قتامة، ربما لأن سالي مات واستُبدلت بغريس، السكرتيرة السابقة التي كانت أكثر غراماً بالتسوق وأكثر طموحاً إلى السلطة السياسية. وكان قد احتوى خصومه ذات مرة. والآن سحقهم. وفي الوطن، قام البلطجية الشباب، الذين حشدهم السيد موغابي، بمعاقبة المزارعين البيض بأخذ أراضيهم منهم. وكاقتصاد زراعي، انهارت زيمبابوي.
لم يرَ موغابي مطلقاً أي مأساة في فوضى بلده وتوتره، ورآها فقط في تدخل الغرباء أو التهديدات الشريرة من المنافسين. وكفل له الجيش ومنظمته المركزية للمخابرات إحكام قبضته على السلطة، وتزوير الانتخابات، وقتل المعارضين، وإغلاق الصحف، وإخافة جيل من الزيمبابويين اللامعين والمتسامحين الذين كان يمكن أن يقودوا إفريقيا، لكنهم غادروها. وأخضع شعبه للجوع والإيدز والكوليرا واليأس. وفي كل عام كان يقيم حفلة عيد ميلاد أكثر ترفاً، ويشعُّ بصبيانية وهو يقطع كعكة ضخمة.
في النهاية، كان طرد ملازمه الموثوق أكثر من الجميع، إيمرسون منانغاجوا، وطيرانه إلى الخارج هو الذي أدى إلى سقوطه في العام 2017. وقد أفرطت غريس في مساهمتها في إقالته، واندفع الجيش إلى هراري. وأصر الجنرالات بصراحة على أن ذلك لم يكن انقلاباً، وفضل العسكر القول بأنهم يتعاملون مع “الخونة”. وقاموا بتنصيب السيد منانغاجوا رئيساً، حسب الأصول.
عندما سئل عن سبب خوف الناس منه، قال موغابي إنه يعتقد أن ذلك “ربما لأنني هادئ، وأيضاً لأنني أؤمن بما أقوله”. كانت حياته في الغالب مقتصِدة مقتضبة: النهوض مبكراً لممارسة اليوغا؛ العمل يومياً على مكتبه، فوق كرسيه الأصفر الخردلي بجانب خريطة ضخمة للعالم؛ وتناول وجبة الأرز والذرة باليد، على الطريقة الأفريقية. وقد عرَض القليل من الرذائل -النساء، الخمر، والمآدب- التي ترتبط عادة بكاريكاتور دكتاتور أفريقي. لكنه كان ينطوي على ذلك الصلف المعتاد. وعندما سألته مجلة الإيكونوميست، بينما كان قد قطع شوطاً جيداً من ثمانينيات عمره، عن وقت تقاعده، ضحك وقال إنه سيحكم حتى يبلغ “مائة عام”. وكانت مأساة زيمبابوي هي مدى قربه من الوفاء بذلك الوعد.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Robert Mugabe’s descent from nationalist hero to tyrant

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock